فوضى مساعدات الحرب: 440 ألف حصة ضائعة!

لا شفافية في ملف مساعدات الحرب (مصطفى جمال الدين)
لا شفافية في ملف مساعدات الحرب (مصطفى جمال الدين)


لم تكن إقالة الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة اللواء محمد خير مجرّد قرار إداري عابر، بل شكلت مؤشراً واضحاً على حجم الخلل في إدارة ملف المساعدات الإنسانية منذ بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان في أيلول 2024. القرار جاء على خلفية جملة من الخروقات التي سُجّلت في إطار العمل الإغاثي، بدءاً من الإهمال وسوء التخطيط، وصولًا إلى محاباة سياسيين في توزيع المساعدات، في ظل استياء واسع داخل الأوساط الرسمية والمدنية من طريقة تعامل الهيئة مع أزمة النزوح.

فبينما كانت آلاف العائلات النازحة في الأيام الأولى للقصف تفترش الأرض في المدارس والمنازل، بقيت مخازن الهيئة في "البيال" تحوي كميات من الفرش والبطانيات المخزّنة من دون توزيع. كذلك، كانت الحكومة قد رصدت للهيئة مبالغ مالية لشراء فرش قبل توسّع العدوان الإسرائيلي في 23 أيلول، غير أن الهيئة لم تبادر إلى الشراء إلا بعد تفاقم الوضع وازدياد أعداد النازحين. حينها، كان تجار الأزمات قد احتكروا مادة الإسفنج، مما دفع الهيئة إلى شرائها بأسعار مرتفعة وبكميات أقل مما كانت قادرة على تأمينه لو تحركت في الوقت المناسب.

هذا التأخير، الذي كان يمكن تفاديه، جعل من المساعدة الإنسانية جزءاً من الأزمة بدل أن تكون جزءًا من الحل، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول الشفافية والجاهزية والمسؤولية في مؤسسات الدولة خلال لحظات الطوارىء.

غياب منظومة طوارئ

لم تكمن الأزمة فقط في حجم الدمار والاحتياجات، بل في ضعف القدرة على إدارة الأزمة. افتقرت الجهات الرسمية المعنية إلى نظام موحّد لتوثيق وتتبّع المساعدات، ما أدى إلى وصول آلاف الوحدات دون تسجيل واضح لمسارها. ورغم إصدار مجلس الوزراء التعميم رقم 34 بتاريخ 15 تشرين الثاني 2024، والذي يُلزم الجهات الرسمية بتوثيق بيانات المساعدات وتسليمها لهيئة مكافحة الفساد، إلا أن معظم الردود جاءت غير مكتملة، أو غير موحّدة، أو لم تصدر على الإطلاق.

بحسب مبادرة "غربال"، استلمت الجهات الرسمية اللبنانية ما مجموعه 2806744 وحدة مساعدات، بينما جرى توزيع 2366729 وحدة فقط. أي أن 440015 وحدة، ما يعادل 17 في المئة من الإجمالي، لم يُعرف مصيرها حتى تاريخه. الأخطر أن 1501628 وحدة وُزِّعت من قبل الهيئة العليا للإغاثة من دون تحديد الموقع الجغرافي أو الجهة المستفيدة، ما يعني أن 71 في المئة من إجمالي ما وزعته الهيئة غير موثّق بشكل واضح.

فوضى في وحدات القياس

أظهرت بيانات الدولة استخدام وحدات قياس مختلفة وعشوائية، مثل "طن"، "قطعة"، "صندوق"، وحتى "منصة". في حالة تركيا، سجّلت الهيئة العليا تسلّم 5940 قطعة بسكويت، بينما سجّلت لجنة الطوارئ 720 صندوقاً. عند المقارنة، يتضح أن كل صندوق يحتوي 8.25 قطعة، وهو أمر غير منطقي. في مثال آخر، سجّلت الهيئة تسلّم 100 كلغ من الأرز من باكستان، بينما سجّلت لجنة الطوارئ توزيع 775 وحدة غير محددة المعايير، ما يطرح احتمال تضخيم الكميات خلال النقل أو غياب توحيد آلية التسجيل.

وعلى ضوء الفروقات في الأرقام حاولت "المدن"، التواصل مع الرئيس الحالي للهيئة العميد بسام النابلسي، إلاّ أنه اعتذر عن الردّ.

توزيع أكبر من الاستلام!

وفق تحليل "غربال"، توزّعت المساعدات بشكل غير متناسب مع ما وثقته الدولة عند الاستلام. فقد وزع لبنان من المساعدات التركية 705117 وحدة رغم تسلّم 251944 وحدة فقط، أي بنسبة توزيع بلغت 280 في المئة. كما ارتفعت نسبة التوزيع بالنسبة لمساعدات الكويت إلى 162 في المئة مقارنة بما تم استلامه. تعكس هذه المؤشرات إما وجود مصادر غير موثّقة، أو خللاً في التسجيل، أو اضطراباً في مسار النقل والإدارة.

ورداً على الأرقام التي عرضتها مبادرة "غربال"، أوضح مصدر رسمي من لجنة الطوارئ الحكومية لـ"المدن" أن المعطيات التي استندت إليها الدراسة "حصلت عليها من اللجنة في تاريخ محدد خلال إعداد التقرير، بينما تغيّرت الأرقام لاحقاً". وأضاف أن "غربال لم تكشف فساداً، بل أرقاماً قدّمناها نحن بناءً على كشوفات رسمية"، مؤكداً أن ما تبقى من مساعدات جرى تسليمه للجيش اللبناني، وأن كامل التقارير أصبحت لدى رئاسة مجلس الوزراء مع بداية العهد الجديد.

أمّا الفرق الذي أظهرته دراسة "غربال" بجدول التوزيعات الخاص باللجنة، وهو 0.75 في المئة ، أوضح المصدر أن هذه النسبة المتبقية تشمل مولّد الكهرباء الذي سلّمناه لمحافظة النبطية، وتمت إضافته لاحقاً.

ماذا عن المساعدات المالية؟

بالعودة للتقرير الذي لم يلحظ صرف المساعدات والهبات المالية التي وصلت إلى لبنان والتي تخطت الـ800 مليون دولار، أوضحت مديرة البرامج في مبادرة "غربال"، كلارا بو غاريوس، لـ"المدن"، أن الطلب الذي قاموا بإرساله إلى الإدارات كان موحّداً، وتضمن طلب الكشف عن جميع المساعدات التي وصلت سواء كانت عينية أم نقدية، وأوضحت، أن معظم الردود التي حصلوا عليها كانت تتعلق بالمساعدات العينية.

وتضيف، "أمّا بالنسبة للأمور الماديّة، فعندما يذكرون بند شراء معيّن، فهذا يعني أنهم اشتروا هذه المواد من الأموال التي حصلوا عليها، لكن ما هي قيمة المبالغ التي دُفعت؟ هذه المعلومات لم يزوّدونا بها".

ومن أسباب هذا الخلل في بلد يشهد "كوكتيلاً" من الأزمات بين الوقت والآخر، هو غياب غرفة عمليات مركزية تُنسّق جهود المساعدات الإنسانية من جهة، وعدم اعتماد نظام تتبّع إلكتروني يواكب رحلة المواد منذ لحظة وصولها حتى توزيعها. كما كان ينبغي نشر تقارير أسبوعية علنية لتعزيز الشفافية، وتوحيد وحدات القياس والمعايير بما يضمن دقة البيانات، إضافةً إلى تمكين البلدية والمجتمع المدني من ممارسة الرقابة الفاعلة، وتفعيل دور أجهزة التفتيش والتدقيق للتحقّق من أي فروقات في الأرقام.

فالمساعدات الإنسانية ليست فائض خير، بل حق للمنكوبين، والطريقة التي جرى التعامل بها مع آلاف الوحدات من الأدوية والمواد الغذائية ومستلزمات الإيواء تكشف خللًا بنيويًا يعيد إنتاج الفوضى في لحظة يفترض أن تكون فيها الدولة أكثر تنظيمًا. وعندما تُنقَل المساعدة قبل أن تُنقَل الثقة، يصبح إنقاذ الإنسان مهددًا حتى من أدوات الإنقاذ نفسها.

تعليقات: