
قبل عام من اليوم، وتحديدًا في الـ 27 من تشرين الثاني (نوڤمبر) الساعة الرابعة فجرًا، من المفترض أنّه سرى توقيت وقف إطلاق النار لكنّه بقي هشًّا على مدى سنة كاملة. في ذاك الحين، عاد أبناء الضاحية الجنوبيّة إلى مناطقهم فلم يجدوها. فثمّة دمار هائل ابتلع كلّ شيء، أحياء وشوارع ومحلّات تجاريّة ومدارس وطرقات لم تعد في مكانها، بعد أن طواها الركام.
اليوم، وبعد عام على وقف إطلاق النار، اختلف المشهد، إذ حلّت فسحات من الأمل والإصرار وراحت تشقّ طريقها بصعوبة، لتخرج من بين الركام الذي حطّ رحاله على كلّ معالم الحياة في المنطقة. محالّ تجاريّة جديدة فتحت أبوابها بديكورات مميّزة وفخمة، وبسطات وأكشاك للحلويّات والمأكولات المختلفة زيّنت الشوارع لتمحو آثار الحرب وهمجيتها وركامها.
أضواء ساطعة تُنير الطرقات بعد أشهرٍ من ظلام موحش لفّها وساد، كي تعيد إلى لضاحية الجنوبيّة شيئًا من بريقها وتبثّ الروح في جسدها المنهك، وكأنّ عنوان المرحلة بات اليوم إصرار على الحياة.
عودة على أزيز المسيّرات
على طول ”أوتوستراد السيّد هادي“، الذي كان قبل الحرب يضجّ بالحركة والمارّة والمطاعم، عادت الحياة تدريجًا. فالمطاعم هوى معظم بنيانها بالكامل، على نحو ”حرقوص“ الذي سُوّي مبناه الذي كان يشغله بالأرض، و“الآغا“ الشهير بسندويش الشاورما وغيرها، بدأت تستعيد حضورها عبر فروع جديدة أو مطارح بديلة.
وعلى رغم التهويل الذي ازداد في الأيّام الأخيرة حول إمكانيّة اندلاع الحرب من جديد، تبدو الضاحية غير معنيّة بهذه المخاوف. فأصوات المسيّرات أصبحت جزءًا من ”الروتين“ اليومي، ومعها الأخبار التي تتناقل التحذيرات على الدوام.
على وقع هذا المشهد المتفاوت انقسم أبناء الضاحية قسمين: قسم أوّل ما زال نازحًا أو عرض منزله ومتجره للبيع أو الإيجار، أمّا الثاني فآثر المجازفة والاستثمار من جديد، إيمانًا منه بأنّ العودة إلى العمل هي بحدّ ذاتها شكل من أشكال الصمود والمقاومة.
”التكافل شجّع عودتنا“
يقول الشيف علي علويّة، إنّ الدافع الأساس وراء إعادة افتتاح مطعمه”Magnifico“ بعد الحرب، هو ردّ الجميل إلى المنطقة التي احتضنته اقتصاديًّا منذ البدايات. ويتابع لـ ”مناطق نت“: ”الضاحية كانت دائمًا ملجأنا، ومنها انطلقنا. وبعد الحرب، كان واضحًا أنّها بحاجة إلى دورة اقتصاديّة جديدة تنبع من داخلها، فشعرنا أنّه علينا أن نكون جزءًا من هذه العمليّة“.
ويشير علويّة إلى أنّ الإقبال كبير بعد إعادة الافتتاح وفاق التوقّعات ”شهدنا دعمًا لافتًا من أبناء المنطقة ومن الذين عادوا إليها بعد الحرب والدمار. كان لدى الجميع شعور بالمسؤوليّة تجاه دعم المحالّ التي بقيت صامدة، ونشأ نوع من التكافل بين أصحاب المصالح والزبائن“.
ويتابع: ”تضرّرت محالّنا ومستودعاتنا خلال الحرب، بعضها كلّيًّا وبعضها جزئيًّا، لكنّنا باشرنا الترميم فور انتهاء القصف وعدنا إلى العمل لأنّ التوقّف لم يكن خيارًا“.
إرادة العمل أقوى
من جهة أخرى، تحدّث مؤسّس ومدير شركة ”ماجد زهير“”Majed Zouheir“ للحلويّات، التي تحمل اسمه، عن تجربة شركته في الضاحية والنبطية، قائلًا ”بدأنا مسيرتنا العام 2022، وافتتحنا أوّل فروعنا في النبطية في آب (أغسطس) 2023، قبل شهرين فقط من اندلاع الحرب. ومع أنّنا واجهنا خسائر كبيرة بعد قصف المبنى الملاصق لفرعنا في الضاحية وتضرّر نحو 70 في المئة من المتجر، اخترنا الصمود بدلًا من التراجع“.
ويتابع لـ ”مناطق نت“: ”أعدنا ترميم الفرع خلال فترة قصيرة، وأعدنا افتتاحه في منتصف كانون الأوّل (ديسمبر) 2024، بالتزامن مع إعادة افتتاح فرع النبطية. كان الإقبال الشعبيّ كبيرًا، ما يعكس روح التحدّي لدى الأهالي“.
ويختم زهير ”اليوم نفتخر بصمودنا واستمرارنا على رغم الصعوبات، وافتتحنا أخيرًا الفرع الثالث في صيدا. نؤمن أنّ إرادة العمل أقوى من كلّ الظروف، وأنّ النهوض يبدأ من المبادرات الفرديّة“.
أقوى من دويّ الصواريخ
تحت جسر بئر العبد، يقف شابّ عشرينيّ خلف عربته الصغيرةل ”La Vera“ يبيع البيتزا على الحطب. يقول: ”بدأت أشتغل خلف العربة قبل الحرب، وكانت فكرة شبابيّة بسيطة ولاقت رواجًا كبيرًا. بعد توقّف الحرب بشهرين عدت لاستأنف العمل على رغم الخسائر“.
يتابع لـ ”مناطق نت“: ”حركة البيع اليوم أخفّ ممّا كانت عليه سابقًا، بخاصّة بعد الاستهدافات الأخيرة، لكنّها مقبولة نسبةً إلى الوضع الأمنيّ. لديّ زبائن أوفياء، والمنطقة معروفة بحيّويتها، لذلك لا أفكّر بالانتقال. وضعت الإنارة على نفقتي الخاصّة لأعيد الحياة إلى الشارع، وكي يرى الناس أنّني عدت“.
على رغم الدمار والخوف والتهديد الدائم، تُعيد الضاحية الجنوبيّة بناء نفسها بصمتٍ وثبات. هي ليست منطقة نجت من الحرب وحسب، بل تحاول أن تخلق لنفسها حياة جديدة وسط الركام، لتؤكّد أنّ صوت العمل والحياة أقوى من دويّ الصواريخ.
أمّا في العمق، فتبدو هذه العودة الاقتصاديّة- على تواضعها- جزءًا من ثقافة اجتماعيّة متجذّرة في الضاحية، إذ يتحوّل العمل إلى فعل صمود وتحدّ، والمبادرة الفرديّة إلى وسيلة نجاة جماعيّة.
وفي ظلّ غياب خطط الدولة نحو إعادة التعمير، يعتمد الأهالي على الاقتصاد المحلّيّ والمبادرات الصغيرة لإعادة ترميم دورة الحياة اليوميّة التي دمّرتها الحرب. وهكذا، لا تعود الضاحية مجرّد مساحة مدمّرة تنهض من تحت الرماد، بل نموذج يعزّز قدرة المجتمعات الهشّة على النهوض من داخل الألم، وصياغة مستقبلها بأيديها.

حركة تجارية نشطة في الضاحية الجنوبية بعد عام على “وقف إطلاق النار”

كيوسكات “سناك” في الضاحية الجنوبية
الخيام | khiyam.com
تعليقات: