يوسف غزاوي: الفنان الفرنسيّ سركيس Sarkis تجهيزات بالزجاج المعشّق (الفيتراي)


حجم الخط

تلقيتُ منذ عدّة أيّام هديّة من صديق فرنسيّ عبارة عن كتاب فنّيّ أنيق للباحثة الفرنسيّة «آن ماركيز Anne Marquez»، يتناول تجربة فنّيّة فرنسيّة يمكن نسبتها لما بعد الحداثة وللمعاصرة. ما يُميّز هذه التجربة هو التجهيزات بالزجاج المعشّق (الفيتراي) التي يندر وجودها في المعارض الفنّيّة الحاليّة. يحتوي الكتاب على عدد كبير من الصور المأخوذة من معارض الفنان سركيس (مواليد 1938) عبر تجربته التي تمتدّ لخمسة عقود. الجدير بالاهتمام معرفة أنّ الصور التقتها الفنان لتجهيزاته بآلته للتصوير الفوتوغرافيّ عبر تقنيّة عالية الجودة والخبرة. أراد الفنان من خلال هذا الكتاب تأليف «باقة ضخمة من الأزهار.. تويجة الزهرة من صفائح معدنيّة» كما أسماها الباحث «ميشال تورنييه Michel Tournier».. تتعدّد ألوان الصور، وتنويعاتها التي تشكّل هذه الباقة.. فما هو التأليف الذي تبنّاه فيها؟ وكيف يمكن ترجمة الفوحان المعقّد لهذا التجهيز، وإبقاؤه ضمن نضارة حضورها دون جفافها؟ للإجابة على ذلك يتوجّب علينا المرور عبر تجربة هذا الفنان، وعلى صور معارضه، وهذا الشيء لا يمكننا مقاربته عبر هذه الأسطر القليلة. وقبل البدء بالإضاءة السريعة على أعماله، سنقوم بالتعريف بفن التجهيز وفن الفيتراي، ثنائيّ هذه الدراسة.

التجهيز l’installation هو فنّ يقوم على عرض أعمال مؤقّتة، يُستعمل فيه مواد مصنّعة سلفاً، وتُعرض ضمن مفهوم وتأليف معيّن، حيث يلعب الفراغ والفضاء والمحيط دوراً أساسيًّا فيه. ما يتبقّى من التجهيز بعد إزالته هو الصورة، الصورة التي تحتفظ بحضور العمل في زمان ومكان معيّنين. ما يتبقّى منه هو الصورة الشاهد، كلّما كانت الصورة ناجحة بتسجيلها للعمل كلما كان العمل حاضراً بقوّة في عين المشاهد وفكره. وهذا ما أجاده الفنان سركيس من خلال صور الكتاب.

أمّا فن الفيتراي le vitrail، أو الزجاج المعشّق، فهو فن التصوير والرسم بالضوء، يُستعمل فيه الزجاج، بقُطعه، كحامل للرسم بدل القماشة أو الحائط أو موادّ أخرى. الفيتراي فنّ أوروبّيّ (نشأ في سوريا في القرن السابع الميلاديّ)، بدأ استعماله في القرن الحادي عشر، ليعرف امتداده في القرون التالية، ولا سيّما الرابع والخامس والسادس عشر في الكنائس والكاتدرائيات الأوروبّيّة. مواضيعه دينيّة مأخوذة من الكتب المقدّسة (للاطّلاع على هذا الفنّ وفنون الحداثة وما بعدها والمعاصرة، نحيلكم إلى كتابينا: رؤى تشكيليّة ومحطّات تشكيليّة، منشورات الجامعة اللبنانيّة 2008 و2018).

إنّ الصور الفوتوغرافيّة هي الذاكرة البصريّة للعمل الفنّيّ، وهي شاهد مميّز لهذا الحوار المستمرّ والمتعدّد بين أعمال الفنان. صور أعمال سركيس، التي تُعدّ بالآلاف، مأخوذة بتقنيّات جيلاتين الفضّة المستعملة بالأفلام أو بالتقنيّة الرقميّة numérique. عمله هو لقاء الزمن والفضاء عبر أكثر من خمسين عاماً من العطاء. عرض أعماله في أماكن عدّة في العالم، من باريس إلى إسطنبول (التي وُلد فيها)، برلين، مونبليار، ليون، إيرفان، سان فرنسيسكو، فنيس، جنيف.. اجتياز أمكنة ومراحل هي أعلومات عاطفيّة تؤشّر لاتجاهات يمكنها أن تبقى قصص غامضة بمعنى أنّ دوارتها أو مروحتها، متوّجة بلقاء الزمن والفضاء.

لا شيء يتوقّف عند سركيس، الأشياء والفضاءات المتروكة تنتظر مجيئنا حاملين إليها الاهتمام والإعانة. الفنّ يُطهّر التروسة كجهاز لعجلة الفنّ، ويعرض في تفسيراته المتتابعة ولادات لا تتوقّف، على حدّ قول مؤلفة الكتاب.

بدت أعماله شبيهة بأعمال فناني الأرض Land art وفناني المنيماليسم Minimalisme، وتجهيزات فن الفيديو Vidéo art وبعض أعمال فناني المفهوم l’art conceptuel كجوزيف بويز Joseph Beuys وبروس نيومان Bruce Numan وغيرهما.. أعمال كثيرة لا يمكن حصرها، جمعت بين مختلف فنون المفهوم، من ضمنه التجهيز، فيها ابتكار وتجديد، أدخلت فن الفيتراي في روحيّة الحداثة وما بعدها والمعاصرة؛ حملت هذا الفنّ من غياهب التاريخ والكاتدرائيّات وأدخلته أزمنتنا بعد أن مهّد لهذا الشيء فنانو الفيتراي الحديث، يأتي على رأسهم الفنانون الألمان بتنويعات اللعب على الزجاج الملوّن.. ومرجع آخر عمل على النيون ككتابات بروس نيومان وجوزيف كوزيت Joseph Kosuth. هنا، لا يمكننا القول أنّ سركيس مبتكر هذا النوع من الفنون، فقد سبقه إلى ذلك عدد من الفنانين المنتمين إلى التيّارات الفنّيّة التي ذكرناها، إلّا أنّ ما أضافه هو بعض الأعمال الشخصيّة التي تنتمي إلى تجربة فرديّة غنيّة بمروحتها وتنويعاتها وأمكنتها، إضافة إلى مواد شكّلت عناصر تجربة فنّيّة لافتة.. في أحد أعماله «أوتوبورتريه» ظهرت بصمة أصابعه على الزجاج، وقد ظهر خلفه قوس قزح ينير ظهره. استعمل أيضاً منحوتات من الطين في بعض الأعمال التجهيزيّة. نذكر من أعماله: رأس مجروح (نيون) 2006، عبارة عن خطوط دائريّة ترمز للرأس والعينين/ الحدّاد بقناع سركيس بالأحمر والأخضر 1989، نيون داخل صندوق خشبيّ مفتوح من كلّ الاتجاهات/ أوتيل سركيس 2011/ محترفي منذ العام 1980/ صرخة مونش 1995/ عمل دائريّ موضوع بجانب شجرة محروقة في ستراسبورغ 1998 عبارة عن شكل عمارة هندسيّة مؤلّفة من نوافذ زجاجيّة يكسوها قرميد من زجاج ملوّن/ المرآة 2017 (عُرضت في إسطنبول)/ الشوارع الإثنا عشر للغرف المحروقة 1991/ العالم غير المقروء في ليون 2002 حيث بدت قاعة كبيرة حمراء يتوسّطها تلفاز تحيط به قطع خشبيّة طويلة الشكل، موضوعة بترتيب معيّن بشكل دائريّ، وعلى الجدار وفي السقف أشكال هندسيّة من النيون مضاءة باللون الأصفر/ من دون عنوان، عُرض في إسطنبول 2020 حيث رقم العام مضاء على خلفيّة قاتمة أمام تجهيز من الصور الموضوعة بالخلفيّة أفقيًّا وعموديًّا حيث النور الأحمر طغى على الصالة/ طاولة عمل الفنان 1998، إضافة إلى أعمال عدّة حملت عنوان محترف الفنان حيث نرى في بعضها عجقة المواد والأشياء والإضاءات/ كشوفات سركيس الماحي 2016 حيث ظهر في الخلفيّة الرقم 19380 مضاء على خلفيّة حمراء داكنة أمامه تمثال يقوم بحركة معيّنة، واقفاً على أرضيّة مربّعة من الموزاييك/ أعمال من النيون Néon 2018 موضوع على الأرض تشبه خريطة موزّعة على مساحات لونيّة مضاءة بألوان عدّة /غرفة طرشاء 1987/ وغيرها الكثير من الأعمال التي لا يُمكن إحصاؤها..

في بعض الأعمال محاكاة لأعمال قديمة من لوحات لفنانين من عصر النهضة أو زجاجيّات العصور الذهبيّة للفيتراي في الكاتدرائيّات، حيث النيون المعاصر يشعّ من فراغات الجدرات الموضوعة عليها تلك الزجاجيّات التي تحاكي قصص الكتب المقدّسة، أو قد يضع إضاءاته داخل كهوف أو ما يشبهها.. اتحاد بين الماضي والحاضر، كعمله «قياس الضوء، تولوز 2018/ لقاء مع الفنان أوتشيللو Paolo Uccello، باريس 2007.. وتترافق أعماله أحياناً مع بعض الأداءات لفتيات يرتدين لوناً موحدًّا، تقمن برقصات تشبه طقوس الشعوب والحضارات القديمة.. يقول الفنان: «أفكّر بمتاهة من المتاهات، بمتاهة متعرّجة متصاعدة تلثم ماضي المستقبل». يستعمل الفنان أرقاماً معيّنة 20200 و193800 وغيرها.. قطار زمنيّ يقودنا نحو الماضي، أو يقذف بنا نحو مستقبل أرقام مفرطة «هائلة».. يتمدّد معه الزمن، أو يتسارع. هذا الزمن الرقميّ الذي يستعمله الفنان، ليس فقط زمنًا شخصيًّا أو زمناً تاريخيًّا، بل هو أيضاً زمن ذاتيّ مطواع، يمدّده الفنان إلى ما وراء نهاية الإنسان.. أعمال غنيّة منوّعة مُلفتة بحضورها وإضاءاتها. الحديث عن أعماله يطول، وقد لا نفيه حقّه في هذه العجالة؛ فعمله يحتاج إلى دراسة إيقونوغرافيّة مطوّلة.. كتاب الفنان سركيس جيّد وجميل بطباعة فاخرة. كتاب جدير بالاقتناء والمطالعة للتعرّف على قيمة فنّيّة ما بعد حداثيّة ومُبدعة..

الفنان التشكيليّ والباحث

د. يوسف غزاوي








تعليقات: