الراعي في الجنوب: أين رعيتك يا صاحب الغبطة؟

كيف يشجع البطريرك أبناء الحدود على البقاء في أرضهم وهو لم يزرهم ولو لساعات لأسباب أمنية؟
كيف يشجع البطريرك أبناء الحدود على البقاء في أرضهم وهو لم يزرهم ولو لساعات لأسباب أمنية؟


كان مشهد البطريرك بشارة الراعي وصحبه من مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في الجنوب محزناً، كي لا يقال مخيباَ لآمال الجنوبيين، تحديداً المسيحيين من بينهم.

فالزيارة التي هدفت إلى التضامن مع هؤلاء بدت مشهداً "بروتوكولياً" هزيلاً. اقتصرت على زيارة مقرات روحية مسيحية وإسلامية، والصلاة في كنيسة سيدة البحار في صور، محاطاً بعدد من نواب المنطقة ورجال الدين.

فأين رعيتك والمسيحيون يا صاحب الغبطة؟

كثر من هؤلاء ما زالوا يقيمون في بلداتهم على الحدود رغم "الأسباب الأمنية" التي منعتك وصحبك من زيارتهم.

هذه الأسباب لم تمنعهم من أن يناشدوك، من خلال عدد من رؤساء البلديات بزيارتهم، وتفقّد كنائسهم ومدارس راهباتهم الصامدات.

كما لم تمنع الأسباب الأمنية، قبل أكثر من شهر، من أن يتوجه السفير البابوي باولو بورجيا، إلى أقصى الجنوب فيزور رميش وعين إبل.

كان أبناؤك على الحدود يتمنون لو زرتهم متفقداً منازلهم ومخاوفهم.

تمنوا لو قرعوا أجراس كنائسهم فرحاً للقائك. لو فعلت، لتداعوا وعادوا من أماكن نزوحهم ليستقبلوك بـ"أغصان الزيتون وسعف النخيل". فهؤلاء، كأرضهم وجبالهم وهوائهم، مفطورون على الحب كما على الإيمان وإكرام الضيف. فكيف إذا كان الضيف أباً ورئيساً، بل رئيس الرؤساء (ريش ريشوني)؟

ماذا قلت، يا صاحب الغبطة، في صور، مما لا يمكن قوله من بكركي أو أي مكان آخر؟ أما زيارتك للمقار الروحية المسيحية والإسلامية، فبيروت أقرب ولا تحتاج إلى قطع تلك المسافة.

الهدف من الزيارة، كما أُعلن، الوقوف إلى جانب الناس، كل الناس، خصوصاً المسيحيين. فأين كانوا هؤلاء؟

لماذا لم تقصد بلداتهم وتدخل كنائسهم ومدارسهم وساحاتهم ومنازلهم؟ لكانوا رفعوا لك يافطات يحتفظون بها كتب عليها "مجد لبنان أعطي له". ولبنان يا صاحب الغبطة، حتى الآن، 10452 كلم مربع، ويشمل دبل وعين إبل ورميش والقوزح وعلما الشعب والقليعة وغيرها وغيرها.

قد يهمس بعضهم في أذنك إنها زيارة ناجحة "رسمياً". وهنا أيضاً تحفّظ كبير. فبطريرك إنطاكيا وسائر المشرق، ووفد مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك، لا يُستقبل بالطريقة والمستوى الذي تم. لكن هذا ليس موضوع الزيارة ولا معيار تقييمها.

كان مكسباً جانبياً مستحباً، لو تحقق، لكنّ ذلك لم يحصل أيضاً.

ويبقى السؤال عن الهدف الأساسي المرتجى من التوجه جنوباً.

فكيف طمأنت أبناء الحدود وأنت تمنّعت عن زيارتهم لأسباب أمنية؟ كيف تشجعهم على البقاء في أرضهم وأنت لم تقدم على زيارتها، ولو لساعات؟

حتى أن زيارتك لم تشمل لقاء شعبياً موسعاً، تستمع فيه إلى أبناء رعيتك الذين لا شك لديهم الكثير ليقولونه لك ويطلبونه منك، حتى وهم يعرفون أن جزءاً كبيراً منه يفوق قدراتك وإمكانياتك. لكنك في عيونهم "البطريرك" الذي يُفترض أنه يحمل "بشارة" الراعي بتأمين مستلزمات الصمود والأمل، أو أقله.. يعرف أن يصغي بخشوع لهمومهم الصغيرة من موسم الزيتون والتبغ مروراً بتعليم أبنائهم وصولاً إلى مخاوفهم وأرقهم ورغبة شبابهم بالهجرة.

حاولت، يا صاحب الغبطة، منذ توليك مهامك البطريركية أن تبدي حرصك على التوازن في كل أمر، لكن الإنجيل نفسه، يطلب أكثر من ذلك. ألم يرد في سفر الرؤيا "أعرف أنك لا بارد ولا حار، وليتك كنت بارداً أو حاراً".. يا ليت.

تعليقات: