الزواج إلكترونياً ينتشر بين الشباب.. سعياً للهجرة!


اليوم الأول: "مرحباً، أرغب بالتعرّف إليك".

اليوم الثاني: "ما الأخبار؟ هل يمكنني الاتّصال بك هاتفياً؟".

اليوم الثالث: "لنتقابل وجهاً لوجه".

اليوم الرابع: "لنتزوّج وسأعطيك الجنسيّة!".

تبدأ الحكاية من نقرة "إرسال طلب صداقة" لتصل خواتميها إلى الزواج.. وما بين "اللايك" و"الكومنت" خيط رفيع يفصل بين العلاقة الواقعية والأخرى الافتراضيّة. فلمَ يلجأ معظم الشبّان والشابات في لبنان اليوم إلى إقامة علاقات وصداقات إلكترونيّة؟


فرصة "ذهبيّة" للهجرة!

تُخبرنا سناء عيسى (28 سنة) كيف تعرّفت على زوجها خليل غضبان عبر تطبيق "تيندر"، الذي كان يُقيم في لندن خلال فترة تعارفهما: "كنت يائسة وأرغب بالخروج من لبنان بأيّ ثمن، فخطرت لي فكرة تحميل التطبيق قبل سنتين، وتحديداً خلال فترة الحجر الصحيّ، ممّا أتاح لي فرصة التعرّف إلى خليل. تحادّثنا سوياً لمدّة سنة تقريباً، وبعدها التقينا للمرّة الأولى في تركيا، ومن ثمّ تزوجنا في قبرص مدنيّاً. وها أنا أقيم معه في نيوهام (بريطانيا) وننتظر بفارغ الصبر ولادة ابنتنا مايا في أواخر حزيران"، تقول سناء.

وتروي في حديث لـ"المدن" أنّها "كانت تقضي معظم أوقات فراغها في البحث عن عريس أجنبيّ لينتشلها من جهنم لبنان ويوفرّ لها فرصة عيش كريمة".

"قد تبدو فكرة التعارف إلكترونياً مجنونة قليلاً، أو غير منطقية بالنسبة للبعض. فكيف لنا الوثوق بشخص غريب لم نرَه ولا نعرفه؟ فعلياً لم أفكّر بهذه الصغائر، لأنني عادة أهتمّ بتعامل الطرف الآخر معي. وكلّ ما تبقى تفاصيل لا تهمّني. تعرّفت إلى خليل عبر "تيندر" ولكننا اخترنا الزواج بإرادتنا لاحقاً، أيّ أن التطبيق ليس إلّا وسيلة قرّبتنا من بعضنا البعض. ولا أنكر أن التعامل معه لم يكن سهلاً في البداية، فكان يتجاهلني مراراً، وعندما يغضب لا يردّ على رسائلي، غير أنّني تمكنت من فكّ شيفرته بالكلمة الطيبّة والقليل من "الغنج". ولا أخفي عنك خوفي الكبير من دخول سنّ الثلاثين من دون زواج أو إنجاب طفل، إذ مجرّد الفكرة كانت ترعبني. ولكن لو فكرتم قليلاً، ألسنا نتعرّض لخيبات أمل يوميّة في علاقاتنا الاجتماعيّة التقليديّة.. ما الفرق إذاً؟"، تسأل سناء.


زواج "الصالونات" إلكترونياً: بدعة رائجة

في عصر التكنولوجيا وتنوّع الخيارات، بات من الطبيعيّ ألّا ينتظر أحد "حبّاً من النظرة الأولى" أو الاصطدام بشريك الحياة في حيّ قديم تحت زخّات المطر وعلى أنغام الأغاني الكلاسيكيّة، لتنشأ بينهما قصة رومانسيّة يتحاكى بها الجميع.

فعلياً، زمن المواعدة الخجولة لم ينتهِ، إنّما انتقلت "زيجة الصالونات" من حياتنا التقليديّة إلى واقع افتراضيّ، يُغنّي كلّ مَن فيه على ليلاه، ولكن بشروط ومن دون طرف ثالث، أيّ "من راسك لراس شريكك". والأمر اللافت أن كلّ شاب أو صبيّة بإمكانهما لعب دور "الخاطبة" لأنفسهما، إذ يقومان بتحميل التطبيق إلكترونياً ومن ثم يختاران "البروفايل" المثالي بنظرهما لتبدأ عملية التعارف، بعد تجهيز دقيق لملفهما الشخصيّ بشكل احترافيّ لجذب الطرف الآخر.

قبل نحو 12 سنة أُطلق تطبيق "تيندر" للمواعدات الغراميّة والتعارف في أكثر من 200 بلد حول العالم. في البداية لم يلقَ رواجاً كبيراً لا بل العكس، إذ استنفر البعض ضدّه، لا سيّما في المجتمعات العربية التقليديّة، التي اعتبرته "مخالفاً للعادات والتقاليد". أمّا اليوم، فانقلب السحر على الساحر، بعدما راح الشبان والشابات في مجتمعاتنا يحملّون التطبيق ويتواصلون عبره لأسباب مختلفة تندرج غالبيتها في خانة "اليأس والخوف من المجهول".

لن ندخل بمفهوم الزواج على الصعيدين الدينيّ والمجتمعيّ، مع العلم أنّ الهدف الأساسيّ منه اليوم ليس إيجاد شريك الحياة، بقدر ما هو بحث عن جنسيّة تخوّل حاملها من دخول أيّ بلد، أو إيجاد فرص عمل جيّدة بمرتب مرتفع. فهذه الهواجس تلاحق الأكثرية وتدفعهم نحو العالم الافتراضي لإيجاد "طلبهم"، لا سيّما مَن تعرّضوا لخيبات عاطفية سابقة أو تُركوا في منتصف الطريق بسبب تدهور الوضع الاقتصاديّ.


فرص زواج بـ"الجملة" للراغبين!

بالنسبة إلى رامي (اسم مستعار نزولاً عند طلبه)، "لا وقت للحبّ والتعارف"... يكشف الشاب الثلاثينيّ في حديث مع "المدن" أنّه "تعرّف عبر "تيندر" على سيّدة أستراليّة تبلغ من العمر 60 عاماً، وأنّه يُفكّر جدّياً بالارتباط بها السنة المقبلة". ويقول: "درست الهندسة لسنتين في الجامعة الأميركية في بيروت، واليوم بعد دولرة الأقساط، لم يعد بإمكاني إكمال هذا الحلم، أو بالمعنى الأصحّ تحمّل نفقاته. كما أن الحدّ الأدنى للأجور لا يسدّ فاتورة المولدّ والإنترنت. لذا اخترت الهجرة كمخرج سهل لمشاكلي، ولكن القيود المفروضة والشروط التعجيزية بالسفارات لم تساعدني، فما كان منّي سوى التوجه نحو الخيارات البديلة كالزواج عبر الإنترنت من أجنبيّة".

"لم أكذب عليها وأخبرتها بكل شيء منذ البداية، وهي راضية، لا بل تدعمني بخياراتي، وتبذل جهدها لتسهيل معاملتي في السفارة. وثمة شعور بداخلي بدأ ينشأ تجاهها، فالحبّ معاملة واهتمام قبل أيّ شيء آخر، وأنا حالياً بانتظار الفيزا وبعدها سأرحل ولن أنظر خلفي أبداً، فوطننا أجبرنا على البحث خارجاً، وما كان منّا سوى الطاعة"، يُخبرنا رامي.


ابتزاز جنسيّ وإتجار بالبشر..

لكلّ شخص حرّية اختيار شريك الحياة كما يحلو له، أو حقّ عدم الاختيار من الأساس. ونقاشنا اليوم لا يتمحور حول خيارات البعض وميولهم، بقدر ما هو حول المخاطر والتهديدات التي تُنذر بكارثة مجتمعيّة حقيقيّة، نتيجة انجرار بعضهم وراء ظاهرة التطبيقات الإلكترونيّة، التي أحياناً ما تنتهي بعمليات ابتزاز جنسيّ، انتحار أو حتّى انعزال مجتمعيّ نتيجة حادثة معيّنة.

"خطر تطبيقات المواعدة يبدأ من تحولّها من وسائل تواصل وتعارف إلى أخرى جرميّة، تشمل الإتجار بالبشر والابتزاز الجنسيّ. وهنا تحديداً يجب دقّ ناقوس الخطر لتوعية المستخدمين"، حسبما تؤكّد ريما صليبا، رئيسة جمعية نضال لأجل الإنسان لـ"المدن".

وتشرح أن "تغيّر الزمن وظهور السوشيل ميديا بدّل الكثير من عاداتنا وتقاليدنا، ويبقى تحديد المخاطر منوطاً بكيفية استعمال التطبيقات بالدرجة الأولى. فالفئة الشابة هي الأكثر استعمالاً لتطبيقات المواعدة، سواء كان في لبنان أو خارجه، ببساطة لأنهم أكثر انفتاحاً على التكنولوجيا، غير أنّهم يخوضون صراعاً كبيراً من دون إدراكهم، ما بين رغباتهم وقيم عائلاتهم التقليديّة، التي غالباً لا تشجّع هذا النوع من التعارف وتضع قيوداً على الأبناء لمنعهم من استعمالها، أو لعدم التمثل بالغرب، حسب ظنّهم".

وتضيف صليبا "لا شكّ بأن لغة الجسد والتعارف الوجاهيّ أمران مطلوبان لنجاح أيّ علاقة، سواء كانت شخصيّة أو مهنيّة، وهذا ما تفتقده التطبيقات الإلكترونيّة. مع العلم أن البعض يلجأ إليها بعد انتهاء علاقة عاطفية "فاشلة".


تتعدّد الأسباب والتطبيقات أيضاً، ويبقى السؤال الأبرز: ما ضريبة الحبّ الإلكترونيّ؟

ضريبة الحبّ الإلكترونيّ قد تكون باهظة (Getty)
ضريبة الحبّ الإلكترونيّ قد تكون باهظة (Getty)


تعليقات: