نقابة الأطباء تقطع علاقتها بشركات التأمين: ليدفع المرضى ويحصّلوا بعدها من الشركات

إلى حائطٍ مسدود وصلت النقاشات بين نقابة الأطباء وجمعيات شركات التأمين في ما يخصّ بدلات الأطباء عن الأعمال الطبية للمرضى المؤمّنين في المستشفيات. ثمة تباين واضح بين الطرفين، أنهته نقابة الأطباء من جهتها بقطع العلاقة مع الشركات، والدعوة إلى تقاضي البدلات مباشرة من المرضى، على أن يحصّلها هؤلاء من الشركات. مع ذلك، لا تمسّ تلك القطيعة هذين الطرفين فقط، إذ ثمة طرف ثالث لم يلتفت إليه أحد، وهو المريض المؤمّن، فهل سيحمل هذا الأخير دفع أقساط بـ«الفريش» لبوليصة تأمينه وفي الوقت نفسه للطبيب؟


لم يكد حائط الجليد يذوب بين نقابة أطباء لبنان في بيروت وجمعيات شركات التأمين، حتى عاد إلى مكانه مجدداً. ويبدو هذه المرّة، أنّ طريق الحلحلة بين الطرفين للتوصّل إلى اتّفاقٍ حول التعرفات الطبية للمرضى المؤمّنين لن تكون بالسلاسة التي سارت على مدى خمسة أشهرٍ من النقاشات. فخلال الفترة الماضية، توصّل الطرفان إلى شبه اتفاق يقضي بزيادة تعرفة الأطباء في المستشفيات عن المرضى المؤمّنين على مراحل، على أساس «أن يتقاضى الأطباء أتعابهم عن العام الحالي بالفريش دولار بنسبة 75% من التعرفة، على أن تصبح 100% فريش العام المقبل، شرط ألا تتخطى مهلة الدفع الثلاثة أشهر»، يقول نقيب الأطباء في بيروت يوسف بخاش. وكان هذا الاتفاق قاب قوسين أو أدنى من الدخول حيّز التنفيذ، إلا أن «سوء النوايا»، على حدّ قول بعض الأطباء في النقابة، دفع الأخيرة إلى اتّخاذ القرار القاضي بألا تمضي قدماً مع شركات التأمين وقطع العلاقة معها. وإن كانت هناك مساعٍ من نقابة أصحاب المستشفيات التي تعمل كوسيط بين الطرفين، إلا أن نقابة الأطباء تنحو اليوم «صوب ما يمنحنا إياه قانون الآداب الطبية»، حيث تتقرّر البدلات بالتوافق بين الطبيب والمريض، على أن «يتقاضى الطبيب بدل أتعابه مباشرة من المريض، على أن يُعطى فاتورة مفصّلة بها ليسترجع ما دفعه من شركة التأمين المؤمّن لديها». فكيف اتخذت النقابة هذا القرار؟ وهل أخذت في الاعتبار ضمن القرار أحوال المرضى؟


قصة الاتفاق

مع اشتداد الأزمة المالية، عمدت شركات التأمين إلى تقاضي بدلات البوليصة من المؤمّنين لديها بالدولار الأميركي. كان هذا التعديل هو الباب الذي دخلت عبره نقابة الأطباء في بيروت في نقاشات مع شركات التأمين، للتعديل في «عملة» بدل التعرفات الطبية التي يتقاضونها من الشركات عن المرضى المؤمّنين. استمرت النقاشات أشهراً، حتى رسا الاتفاق المبدئي منذ عامٍ تقريباً، على أن يتقاضى الأطباء 50% بالفريش دولار كبدل أتعاب عن الأعمال الطبية المقرّرة في جدول متّفق عليه مسبقاً (عام 2010) ما بين الأطباء والشركات.

وافق الأطباء على تلك الصيغة على أساس أن تُدفع تلك البدلات في مهلة أقصاها ثلاثة أشهرٍ من إجراء العمل الطبي، «غير أن ذلك لم يحدث، فقد تقاضينا الـ50% متأخرة وكانت مقرّرة عن عامي 2021 و2022»، يقول عضو اللجنة العلمية في النقابة، مروان الزغبي. وقد دفع هذا الأمر بالنقابة إلى طلب إعادة النظر في النسبة، مستندين إلى سببين أساسيين: «أولهما تقاضي الشركات من الزبائن بالدولار وتأزّم الأوضاع، وثانيهما المقارنة التي أجريناها كنقابة حول أرقام بوالص تأمين الأطباء، إذ اكتشفنا أن الزيادات بلغت ما بين عامي 2010 و2023 ما نسبته 220% على بوليصتنا»، يقول الزغبي. ولذلك استعيدت النقاشات وتوصلت النقابة على إثرها إلى صيغة الـ75% بالفريش تُدفع لهذا العام، على أن ترتفع إلى 100% العام المقبل.


فوجئ الأطباء بتضمين الاتفاق بنداً تأديبياً يمنعهم من تقاضي بدل أتعابهم


بند تأديبي!

سار الاتفاق على هذا الأساس، وعند التوقيع، فوجئ الأطباء بتضمينه «بنداً تأديبياً»، ينصّ على «وضع الطبيب على اللائحة التأديبية وصولاً إلى فسخ العلاقة معه واعتبار مستحقاته القديمة مستحقة في حال استوفى من المريض أكثر مما هو معمول به كبدل»، يقول بخاش. هنا، بدأت التباينات بين الطرفين والتي كانت قاعدتها الأساس «سوء النوايا تجاه الأطباء من جهة ولعب الشركات دور المفاوض على الأتعاب من الجهة الأخرى»، يكمل الزغبي ما بدأه بخاش. ولأن «لا أحد يحقّ له التفاوض على الأتعاب، بحيث تنصّ المادة الثامنة من قانون الآداب الطبية على أن لا شيء يحدّد سقف التعرفة إلا الالتزام ما بين المريض والطبيب ولا يحق لأحد التدخل سواهما»، يضيف الزغبي. من هنا، قرّر الأطباء رفض الصيغة مع استكمال النقاشات، والتي أفضت إلى إلغاء هذا البند «إلا أن المفاجأة كانت بمحاولة شركات التأمين تضمينه بشكل غير مباشر ضمن اتفاقها مع المستشفيات عبر الطلب منها التعهد بتبليغ الطبيب أن تقاضي أي فروقات سيتسبّب بحسم ما تقاضاه من التعرفة». وما زاد الطين بلّة «أنه اكتشفنا أن هناك مستحقات عالقة لبعض الأطباء لدى شركات التأمين منذ نيسان من العام الماضي».

كانت هذه القشة التي قصمت ظهر البعير، فبالنسبة إلى الأطباء «الأزمة أبعد من موضوع اتّفاقٍ أو عدم اتّفاق، وإنما ألّا يكون النظام الصحي مرهوناً ومرتكزاً على شركات التأمين»، يقول الزغبي. بالنسبة إليه وإلى غيره، تعني تلك العبارة الكثير، انطلاقاً من «السلطوية» التي تتعاطى بها شركات التأمين معهم، فعلى الرغم من الشراكة المفترضة بين الأطباء والجمعيات والمستشفيات باعتبارها أطرافاً معنية بالتوافق على التعرفات، إلا أن «الواقع أن شركات التأمين تعتبر نفسها ذات حقٍ لتحديد التعرفة التي يمكن أن تمنحنا إياها». من هنا، كان القرار بقطع العلاقة وتقاضي بدل الأتعاب مباشرة من المرضى، على أن يحصّلها هؤلاء من شركات التأمين.


شركات التأمين: لا اتفاق حتى اللحظة

«لا اتفاق حتى اللحظة بيننا». هذا ما يقوله رئيس جمعيات شركات التأمين، أسعد ميرزا، في معرض ردّه على العلاقة ما بين الجمعيات ونقابة الأطباء. بالنسبة إلى الأخير، الأزمة اليوم بين الطرفين لم تعد «ما اعتبروه بنوداً تأديبياً، إذ إننا ألغينا كلّ ما له علاقة بهذه الناحية، وقبلنا بالوثيقة التي صاغوها هم من دون هذه البنود»، وإنما في مطالبات الأطباء بدفع التعرفات 100% ابتداءً من العام الحالي والتوجه نحو تحصيل الأتعاب من المرضى «وهنا توقفت الأمور».

من بعدها، لم يُبتّ أمر العلاقة بين الطرفين، وهو ما تعمل عليه نقابة المستشفيات في «محاولة للوصول إلى حل»، يقول نقيب أصحاب المستشفيات، سليمان هارون. وفي الوقت المستقطع ما بين عودة النقاشات وإيجاد الحلول، يسيطر الضياع ضمن القطاع. وإذ يشير هارون إلى البلبلة التي تسبّب بها قرار الأطباء بتقاضي البدلات مباشرة من المرضى «بعض إدارات المستشفيات تستمهل لتطبيق القرار حتى نهاية الشهر الحالي لنرى كيف ستُحل الأمور لوجستياً»، ثمة طرف آخر لم يلتفت إليه أحد ضمن هذه الفوضى وهو ما قد يعانيه المرضى من جراء هذا القرار وهم الذين يدفعون ثمن بوالص تأمينهم بالدولار.

إلا أن الحلقة التي لا يفهمها الأطراف الثلاثة أن المؤمّن يدفع بوليصته غالباً بالتقسيط وليس دفعة واحدة، هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى، فلن يقبل هذا المؤمّن أن يدفع للأطباء «كاش» ما يدفعه أصلاً لشركات التأمين. وهو ما أعلنته أخيراً نقابة المهندسين في بيانٍ وزعته على المعنيين مفاده «أنها لن تقبل بأن يدفع المريض أيّ مبالغ مباشرة للأطباء»، بحسب هارون. وهذه ليست إشكالية المهندسين فقط، وإنما هي حال أي مريض آخر، وهو ما يشير إليه هارون «بالإحراج الذي يتسبب به الموضوع في بعض المستشفيات، إذ كيف لمريضٍ يدفع ثمن بوليصة ويضطر للدفع مرة أخرى». مع ذلك، لا يعتبر بخاش أن الأمور معقّدة إلى تلك الدرجة، رافضاً في الوقت نفسه «وضع الطبيب في مواجهة مع المريض، فكلّ ما في الأمر أن الآلية تحتاج إلى تنظيم لوجستي فقط». فهل تكون الأمور بتلك السهولة؟

تعليقات: