الأزمة الاقتصادية اللبنانية تعيد تشكيل المجتمع الفلسطيني بالبطالة المسلحة

الأزمة تمكّن الفصائل من إعادة السيطرة على المجتمع (الأرشيف، خالد الغربي)
الأزمة تمكّن الفصائل من إعادة السيطرة على المجتمع (الأرشيف، خالد الغربي)


بعد سنوات من العمل تخلى محمد عن مهنة السباكة منذ بداية الأزمة الاقتصادية في لبنان أواخر عام 2019، بعد أن انضم إلى أحد الفصائل الفلسطينية، مقابل عائد مادي يبلغ 250 دولاراً شهرياً بدلاً عن حراسة لساعات قليلة أسبوعياً. لم يكن محمد فريداً في توجهه، فالآلاف أخذوا هذا المنحى، إضافة إلى آلاف آخرين انضموا سابقاً نتيجة عدم عثورهم على عمل. ولا يمكن النظر إلى ذلك كمعونة مالية بعيداً من بعده الاجتماعي وأثره في إعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني في لبنان، وتمكن الفصائل الفلسطينية من إعادة السيطرة على هذا المجتمع، بعد حراكات واسعة سبقت الأزمة، ووجهت انتقادات واسعة للفصائل بسبب ما سمته تقصيراً أو حتى شبهات فساد تورط بها العديد من مسؤولي الفصائل.


الحراكات المدنية والمطلبية

قد يكون مخيم نهر البارد المثال الأبرز لدور الرواتب ما بعد الأزمة في قمع صوت التمرّد والاحتجاج الفلسطيني، وضبط المجتمع تحت السقف السياسي التنظيمي. عام 2012 تأسس في المخيم ما سُمّي الحراك المستقل، الذي ضم عدداً كبيراً من المستقلين إضافة إلى عناصر في فصائل فلسطينية. حاول التصدي لآفة المخدرات، وطالب بتخفيف القيود الأمنية عند مداخل المخيم. وبعد عامين على تأسيسه قاد الحراكُ التظاهرات الرافضة لقرار الأونروا إلغاء برنامج الطوارئ.

في تموز 2019 كانت المظاهرات الأوسع الرافضة لإجراءات وزير العمل اللبناني الأسبق كميل أبو سليمان، هي التي حدثت في مخيم نهر البارد بفضل هذا الحراك، وتنظيمه. بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان، خلال العامين الماضيين استطاع تيار دحلان استقطاب 28 قيادياً ناشطاً في الحراك من أصل أربعين. ولأهمية هذه الحراكات، أسست حركة فتح "حراك الياسر" الذي يزيد عدد أعضائه عن 300 عضو، يتلقى كل عضو مبلغاً شهرياً.

المخيمات الفلسطينية شهدت حراكات واسعة قبل الأزمة حملت عناوين كثيرة، بعضها خدماتي، وبعضها طالب بتوحيد الإدارة أو إصلاحها، لكن كل هذه الحراكات ضعفت، وقُمع صوتها ذاتياً، من خلال استغلال حاجة الناس بعد الأزمة. واللافت أن حراك تشرين في لبنان، ورغم التعاطف الكبير معه داخل المجتمع الفلسطيني، إلا أنه، وخلافاً للتوقعات، لم يستطع نقل عدوى التحركات إلى المخيمات الفلسطينية نتيجة أن الفصائل استثمرت الأزمة لكتم الغضب من خلال زيادة مساعداتها.


18 مليون دولار شهرياً

تسهم الأونروا أيضاً في قمع الآراء من خلال قوانينها وأبرزها اتفاقية الإطار مع الولايات المتحدة (تموز 2021)، الذي يمنع مشاركة موظفي الأونروا بالفعاليات الشعبية. وتوظف الوكالة حوالى 3000 فلسطيني في لبنان، أكثريتهم في قطاع التعليم. وبالفعل فصلت الأونروا أحد المعلمين قبل أيام بسبب مشاركة عبر الفيسبوك، قبل أن تتراجع.

وتشير التقديرات إلى أن ميزانية الفصائل الفلسطينية مجتمعة تبلغ حوالى 18 مليون دولار شهرياً (تشمل إضافة للرواتب، الصحة، والشؤون الاجتماعية وغيرها)، وهو رقم ليس بالقليل، إذا ما أخذنا بالاعتبار أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يتراوح ما بين 250-300 ألف. بينما يُقدّر عدد المنتسبين للفصائل بحوالى 20 ألفاً، أغلبهم من القوى الشابة. جرى إخراج هذا العدد من سوق العمل، وشل فعاليته، براتب بسيط. لا يؤمّن استقلاله المالي، بل يجعل العنصر بحاجة دائمة إلى تجديد الولاء للمسؤول، بما يعنيه من امتهان دائم واستتباع أبدي، وشعور مسيطر بأن حياته مرهونة بالمساعدات، أو هي حياة معلقة بمائتي دولار.


أسوار إضافية

يجري إقصاء متعمّد لجيل كامل، بدلاً من أن يجري تأهيله من خلال مهنة، أو عمل عام، لو انخرط به كل المنتسبين لتغير وجه المخيمات الفلسطينية في لبنان. لكن يبدو أن هناك إرادة بوصم هؤلاء الشباب بالعجز، بما يسهّل السيطرة والتحكّم. ولا يمكن الفصل بين تصاعد التوتر في المخيمات الفلسطينية والاستتباع الناتج عن دفع رواتب لمن حُرم العمل.

واقع ما بعد تفاقم الأزمة في لبنان يعيد إنتاج القيم في المخيمات. تراجع قيمة تمجيد العمل الذي عُرف به الفلسطينيون من قبل. وهروب النخب من فصائل كثيرة، منذ بداية السبعينيات، دفع باتجاه تبوّؤ أفراد لا يحظوون بقبول مجتمعي، مواقع متقدمة في الفصائل، وحصولهم على مزايا اجتماعية واقتصادية، دفعت باتجاه التشكيك بجدوى التعليم وحتى إعادة ترتيب القيم لدى بعض السكان.

خطير أيضاً أن يشعر الشاب الفلسطيني في المخيمات أنه مكتفٍ بنفسه، من خلال راتب بسيط، ولا حاجة لديه للعمل خارج المخيم. قد يكون العمل غير متوافر للفلسطينيين بشكل كبير، نتيجة قوانين العمل، لكن بما هو مسموح، يوفّر آلاف فرص العمل، التي تسمح بتفاعل فلسطيني لبناني معقول، فيؤدي العمل دوراً كبيراً في هذا المجال. أما سياسة الرواتب لاكتساب الولاء فإنها تبني أسواراً بين المخيم والجوار هي المقابل الرمزي لجدار عين الحلوة والحواجز الأمنية عند مداخل أكثر المخيمات الفلسطينية في لبنان.


سوابق تاريخية

هناك سوابق تثبت حجم الخطر، فقبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 كان يضم الفصيل الأكبر وحده، أي حركة فتح، 15000 مقاتل مسجلين على جدول الرواتب، إضافة إلى 25000 عنصر ميليشيا. بعد الاجتياح وجد الآلاف منهم أنفسهم فجأة من دون عمل أو مهنة يجيدونها. كانت كارثة اجتماعية بكل المقاييس.

وفي عام 1988 عاش المئات في مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة وضعاً مشابهاً، عندما غادرت حركة فتح المخيمين بعد صراع فصائلي، وكان الراتب الأخير الذي تلقاه كل عنصر هو 24 ألف ليرة لبنانية (الدولار وقتها 380 ليرة). وتكررت الحكاية عندما أمر الرئيس الراحل ياسر عرفات في كانون الأول 1991، بتسريح 5000 من أعضاء فتح المتفرغين في لبنان، بسبب الأزمة المالية التي كانت تعيشها منظمة التحرير. فماذا لو تكررت الأزمة المالية، وتشابهت القرارات؟

هذه الرواتب حين تُفصل عن بعدها الاجتماعي والقيمي فإنها ستفصِل أيضاً بين الفلسطيني وصوته، بين الفلسطيني وجواره، باختصار هي تتجاهل سوابق ماضية، وتعيد تشكيل وعي الفلسطينيين بما يناقض حاجاتهم الأساسية.

تعليقات: