طرابلس ساحة تصفيات وقتل وقنابل ليلية والأسوأ آتٍ.. ما خلفيّة التسيّب الأمني؟

الجيش ينتشر في ساحة النور
الجيش ينتشر في ساحة النور


بعد أن شهدت #طرابلس هدوءاً نسبيّاً منذ كانون الثاني الماضي، حين سجّلت آخر خضّاتها ال#أمنيّة في إحراق البلدية والمحكمة الشرعيّة من دون الكشف عن هويّة المتورّطين، دخلت المدينة اليوم شوطاً من الفلتان الأمنيّ المتدحرج في سائر مناطقها، لا سيّما في متفرّعاتها الشعبيّة، حيث تخرق سماءها ليلاً قنابل يدويّة، خصوصاً في محيط نهر أبو علي، فتتحوّل أحياؤها إلى ساحات للتصفيات بالسّلاح.

وفي ساعات النّهار، تشهد طرابلس إشكالات مسلّحة على محطّات الوقود، أو يُقدم شبان على الموتوسيكلات على انتشال محفظة مواطنـ/ة، وكثيرٌ من هؤلاء ملثّمين، أو تبدو على وجوههم سيماء الحبوب المخدّرة. هذه الحوادث، تردّها آراء إلى تأزّم الوضع المعيشي واستشراس الناس لتأمين الموادّ الحيويّة؛ لكن الحيرة التي تشغل بال المواطنين، وتدفع شريحة ساحقة منهم إلى ملازمة البيوت خوفاً من أن يقضوا في أثناء عمليّة نهب أو رصاصة طائشة أو يشهدوا عراكاً دامياً، تستحضر الأسئلة الآتية: مَن يُعطي السلاح لِمن؟ ولماذا #أمن طرابلس مستباحٌ، ولا يعاقب الجناة ليكونوا عبرة لغيرهم، في ظل خوف من لجوء مسلحين إلى "الأمن الذاتي" بذريعة الدفاع عن النفس، وسقوط طرابلس في هاوية أمنيّة خارجة عن سيطرة الدولة؟.


رصاص وقنابل وقتلى وجرحى

ليل الأحد، تقاطع المحظور الأمني من رمي قنابل يدوية مجهولة المصدر، وانتشار سارقين منذ ساعات الغروب، وإطباق الظلام على الشوارع بسبب غياب الكهرباء مع عمليات قتل متعمّد، طالت آخرها المؤهّل أوّل السابق في مخابرات الجيش أحمد مراد، المعروف بـ"أبو زياد"، الذي قضى بثلاث رصاصات في رأسه، أطلقها عليها شخصان ملثّمان، عند خروجه من أحد أفران طريق المئتين برفقة زوجته على دراجة نارية.

وتكشف معلومات "النهار" عن خلفيّة ثأرية لاستهدف أبو زياد، بسبب نقمة متراكمة من أبناء بعض الأحياء الشعبية تجاهه إذ يعتبرون أنّ عنصر المخابرات السابق كان يتجنّى عليهم ويرفع محاضر ضدّ مسلحين منهم لإحالتهم إلى تحقيقات في ملفات إرهاب، إضافة إلى أنّه كان أطلق النّار بمسدسه منذ سنوات على رجْلَي أحد المشايخ في باب التبانة، فتنامت النقمة ضدّه.

وليل الإثنين، ألقى ملثّمان يقودان دراجة نارية رمّانة يدوية في منطقة التل بالقرب من متجر ABC، استهدفت كلّاً من صاحب بسطة الحلوى الحاج ممتاز حداد وشقيقه عبد الرزاق، فأصيبت الضحيّتان بجروح، وهما يخضعان للعلاج في المستشفى، وأحدهما حالته حرجة.

وصباح الأربعاء، أوقفت دورية من مديرية المخابرات في طرابلس المدعو "ع.م." لاتهامه برمي القنبلة، وبوشر التحقيق معه بإشراف القضاء المختصّ.

وعند وقوع الحادث، تضاربت الأخبار حول خلفيّات الاعتداء بين محاولة نشل أو تصفية من نوع آخر، علماً بأنّ صاحب البسطة يعمل منذ سنوات عدّة في المنطقة، ويحتفظ بسمعة طيّبة. وحسب رواية مقرّبين لـ"النهار"، فإنّ الحادثة وقعت على خلفيّة طلاق سابق في العائلة، لكنهم يستغربون كيف باتت خلافات عائليّة تصفّى بسلاح في ساحة مأهولة.


من يعبث بالأمن؟

تعيش طرابلس تناقضاً واسعاً بين محاولة ضبط أمنها رسمياً من قبل الجيش اللبناني، وبين التسيّب وهشاشتها الأمنيّة على أرض الواقع.

فبعد إعلان التسوية السياسية بين التبانة وجبل محسن في نيسان 2014، وانتهاء أكثر من 20 جولة مسلّحة، صارت طرابلس بصيغة غير معلنة "منطقة أمنية" في عهدة الجيش، تنتشر عناصره ودباباته في نقاط عديدة مكشوفة لتُراقب الأمن، وتعمل كجهاز إبلاغ وإنذار للأجهزة الأمنية المختصّة، وقد تتدخّل عناصره بإشارة من قيادة المنطقة.

من جهة أخرى، يوضح مصدر أمنيّ لـ"النهار" أنّ "قادة المحاور الذين أشعلوا معارك التبانة - جبل محسن استعادوا نشاطهم، سواء بشكل مباشر أو من خلال مجموعات مرتزِقة، تضمّ أشخاصاً معروفين بـ"القبضايات". لم يفقد هؤلاء المسلحون دورهم في الإخلال بأمن المدينة. يتلقّون اليوم إشاراتهم من جهات سياسيّة معروفة، شكّلت لها طرابلس حلبة صراعات وصندوق بريد لتراشق الخصومات السياسيّة وتعبئة الشارع السنيّ لغايات انتخابية".

وحول مصلحة هذه المجموعات بالإخلال بالأمن، يشير المصدر إلى "أنّ العبث بالأمن ينشر حالة من الذعر، ويُصيب المدينة بشلل اقتصاديّ، ممّا يجعل أبناؤها مجدّداً رهائن للطبقة السياسية، التي كرّست أسلوب الإعاشات والخدمات الآنية. وقد تستفيد هذه المجموعات بشكل مباشر من خلال مخصّصات شهرية، أو بتغطيات لمخالفاتهم"، و"تتجسّد السطوة الأهمّ لهذه المجموعات على البسطات المنتشرة في التل، أو تلك التي صادرت مشروع الإرث الثقافي في العام 2010 فحوّلت مجرى نهر أبو علي إلى مجموعة بسطات وبالات، يتقاضى "القبضايات" عنها الخوّات، فتنجح بعض المجموعات السياسيّة في استقطاب الشريحة الأكثر فقراً من خلال إمدادها بالسلاح وتغطية مخالفاتها".

ويؤكّد أنّ توقيت التسيّب الأمني الراهن "ليس مصادفة لسببين: الأول هو قرب الانتخابات النيابية، والثاني هو موقع الرئيس ميقاتي حاليّاً في رئاسة الحكومة، ممّا أعاد إطلاق العدّاد لمعركة أمنيّة هدفها إعادة بسط الزعامة السنيّة في المدينة"، مستنتجاً أنّ "الاستحقاقات السياسية على قدم وساق، والأسوأ لم يحن بعد".


يمق: لحظر التجوال

من جهته، يعزو رئيس بلدية طرابلس رياض يمق هذه الحالة من الفلتان الأمنيّ إلى إخلالٍ بواجبات الأجهزة الأمنية في إمساكها بالأمن. وقال في مؤتمر صحافي عقده صباح الأربعاء "لو طبّق القانون وقت حريق البلدية، وتمّ الكشف عن الجناة الذين ظهروا على الكاميرات لما تجرّأ أحد على التطاول على طرابلس. والسؤال أيضاً ما هو دور المحافظ في حماية أمن المدينة، وهو يرأس مجلس الأمن الفرعي"، سائلًا إن كان "المقصود إجبار الناس على تطبيق الأمن الذاتي؟".

وحمّل يمق المسؤوليّة لـ"تساهل الأجهزة الأمنية من جيش وقوى أمن داخلي وأمن دولة وأمن عام بواجباتها لمواجهة كلّ أشكال الفوضى والسرقات وإطلاق الرصاص وإلقاء القنابل ليل نهار".

وربط الأزمة الحاصلة بـ" انعدام العيش الكريم للمواطنين في ظلّ انقطاع المحروقات والدواء والخبز والارتفاع الجنوني لمعظم الموادّ الغذائية والاحتياجات الأساسية، واضطرار الناس للوقوف في طوابير الذلّ أمام المحطّات والصيدليّات والأفران والسوبرماركات"، مستغرباً "تغافل الدولة عن تشغيل محطة الحريشة التابعة لشركة كهرباء قاديشا التي تغذّي مناطق طرابلس والجوار".

وطلب يمق "من الجيش والقوى الأمنية فرض حظر التجوال في ساعات إذا اقتضى الأمر، مع بعض الاستثناء للقطاعات التي تعمل ليلاً كما كان يحدث خلال حالة التعبئة العامة للحدّ من انتشار فيروس كورونا".

تعليقات: