الرقابة الهشّة لوزارة الاقتصاد: ضوء أخضر لتشريع الفوضى

لا قدرة لوزارة الاقتصاد على ضبط تقلّب الأسعار (مصطفى جمال الدين)
لا قدرة لوزارة الاقتصاد على ضبط تقلّب الأسعار (مصطفى جمال الدين)


باتت عبارة "مكافحة الفساد" مِن أشهر العبارات على ألسن أقطاب السلطة. بعضهم يستعملها سيفاً للاقتصاص من خصومه، والبعض الآخر يريد بها ماءً يغسل ما مضى من ذنوب مشاركته بالفساد، عبر أذرعٍ جرى أو سيجري بترها، بموجب أحكامٍ مؤجَّلة، ما يوحي ويوهم بعدم تجذّر الفساد في أصل الجسم الحزبي.

لكن حُسن النيّة في هذا المضمار، لا يجاريه وضع آليات علمية وتشريعية وتنفيذية، بل تسير القافلة وفق القواعد عينها التي أنتجت الفساد ورَعَته. وتلخّص وزارة الاقتصاد التي ذاع صيتها في ذروة الانهيار الراهن، ما تختزنه المنظومة من فساد متواصل يُنذر بانتشار الفوضى التي بدأت تتبلوَر ملامحها.


رقابة شكلية

لم تشكّل الوزارات على مدى 30 عاماً مِن السِلم الأهلي الهش، إلا المرآة العاكسة للهشاشة، فجاءت جميعها فارغة المضمون وانفرد بعضها بزركشة خارجية لتغطية الصفقات المبرمة في الداخل، فكان من الطبيعي غياب الأرضية الصلبة لمحاربة الفساد وإدارة البلاد بطريقة ناجحة.

وزراء الاقتصاد المتعاقبون والممثِّلون لمختلف القوى السياسية، لم يقدِّموا نماذج تغييرية، وخصوصاً على مستوى الرقابة، وتحديداً على صعيد مديرية حماية المستهلك التي يفترض أن تكون على تماس مباشر مع الناس لتأمين مصالحهم. ولا يعني ذلك إغفال مصالح التجّار، أي الوجه الآخر من عملة التبادل الاقتصادي. إلا أنّ الوزارة جنحت بعيداً حتى مالت كفّة الميزان لصالح كبار التجّار على حساب المستهلكين.

وليس تجاهل وجود مراقبي وزارة الاقتصاد، مروراً إلى عدم التجاوب معهم، وصولاً إلى الاعتداء عليهم، أثناء قيامهم بواجبهم في ضبط التلاعب والغش في الأسعار أو اخفاء السلع، حدثاً عَرَضياً، بل هو في صلب استقالة الوزارة من مهامها، وإمعان المنظومة في إقصاء دورها. فعديد المراقبين لدى الوزارة لا يزيد عن 70 مراقباً، يُطلَب منهم تغطية ما يتجاوز الـ20 ألف نقطة بيع. وهذه المهمّة ضربٌ من الجنون أو الاستهزاء المقصود بدور المراقبين والوزارة.

أما انخفاض قيمة رواتب المراقبين مع تدهور سعر صرف الليرة، فحوَّلَ عملية الرقابة إلى انتحار اجتماعي لا جدوى منه. فالمراقبون يوضَعون بالتحام مباشر مع التجّار المدعومين غالباً من القوى الحزبية والسياسية والاجتماعية، كلٌّ بحسب منطقته. ما يعرّض المراقبين للخطر على غرار ما يحصل من اعتداءات متكررة، دفعت المراقبين للإضراب والتحذير من التوقف عن العمل، ما لم تضع وزارتهم حداً للانتهاكات.

يعلم المراقبون أن عملهم شكليّ، وهو ما يعزز خياراتهم بالانفصال عن الوزارة واعتماد خيارات أكثر نفعاً، وعلى رأسها الهجرة إلى خارج البلاد. فعملهم ليس نضالاً لاستئصال الفساد، وإنما وظيفة كانت تطعِم خبزاً بالحد الأدنى، واليوم باتت عبئاً. أمّا محاولة الوزارة، في بعض الأحيان، الاعتماد على متطوعين لسد الفراغ الوظيفي وعدم القدرة على دفع التكاليف، فانخفضت جاذبيّته لدى الشبّان والشابات. فالتطوع ينطوي على استنزاف مجاني للمدّخرات، لدفع تكاليف النقل والأكل ومستلزمات أخرى. في حين أن تعزيز ميزانية الوزارة، هو الخطوة الأساس لتفعيل دورها.


حلول لا طائل منها

على وقع اعتراضات المراقبين وإضراباتهم، تحاول وزارة الاقتصاد دعوة المجتمعات المحلية إلى لعب دور رقابي، في ما يشبه مكافحة الفساد بطريقة لا مركزية، وجعل "كل مواطن خفير". فدعت إلى إشراك البلديات في عملية المراقبة، وجدّدت الدعوة للمواطنين للتبليغ عن المخالفات، وعلى رأسها التلاعب بالأسعار وإخفاء المواد الغذائية وتحديداً المدعومة منها.

هذه الدعوات تؤتي ثمارها في غير مناخ الأزمة التي تعيشها البلاد، والتي أفرزت عدم الثقة بكل ما يتّصل بالدولة ومؤسساتها وأجهزتها، حتى الرقابية منها. أما الثقة بالقضاء، فحدّث ولا حرج. والنتيجة الآنيّة، دفعت الناس للانقسام بين مَن يبادر للتبليغ، وهؤلاء قلّة، وبين مَن يتستَّر على المخالفات لاعتبارات سياسية ومناطقية ودينية وعائلية. فيما يتولّى الجهل بأهمية الدور الرقابي للمواطنين، عرقلة الرقابة الشعبية الفاعلة.

تشريعياً، يواصل مجلس النواب عقد جلساته الفلكلورية، متجاهلاً حجم الأزمة. فيما تمارس لجنة الاقتصاد والصناعة والتجارة والتخطيط النيابية، فِعلَ التَقيَّة عبر مناشدة المستوردين وأصحاب السوبرماركت "أخذ الأوضاع الاقتصادية الاستثنائية بالاعتبار، والتوفيق بين استمرارية المؤسسات التجارية وصعوبة الأوضاع المعيشية للمواطنين". ومن جهة ثانية، تَسْرَح الحكومة في غيبوبتها ويطيب لها لعب دور تصريف الأعمال في أضيَق معانيه.

الرقابة الشكلية والحلول المجتزأة، ستُحوَّل إضرابات المراقبين إلى حركة احتجاجية يتراكم مداها لتصل إلى حدّ تركهم الوظيفة. لكن هذه الخطوة لن تكون سوى حركة اعتراضية لا تقلب موازين اللعبة لكنها تُشرِّع الفوضى كأمر واقع من خارج الأطر التشريعية الرسمية. فانفلات السوق لا يلجمه سوى ضخ الدولارات المترافق مع وقف الفساد على المستوى الذي وصل إليه، والعمل على مكافحته، عبر استراتيجية تلغي مفاعيل تحويل الوزارات إلى محميات سياسية وتعيد الثقة لدور الرقابة، سواء عبر الأجهزة الرقابية الرسمية، أو عبر اللجان والمديريات في الوزارات. والأهم، هو إشراك المجتمع المدني في الرقابة، لأنه الأكثر تواصلاً مع الناس على الأرض، والأكثر قدرة على مراقبة ومنع فوضى التسعير وإخفاء السلع، لأنه الأقدر على التعامل مع الاعتبارات المناطقية والعائلية، خصوصاً في مناطق الأطراف. فالمجتمع المدني إبن تلك المناطق وليس غريباً عنها كما الوزارات والسلطة المركزية.

تعليقات: