عدنان سمور: تاريخ التربية والتعليم في الخيام - الجزء الثاني

الكاتب المهندس عدنان إبراهيم سمور
الكاتب المهندس عدنان إبراهيم سمور


أسباب إستمرار الكتاتيب إلى جانب المدرسة الرسمية:

تداخل العلم في الكتاب مع التعليم الرسمي في الخيام ، وظل أساتذة الكتاتيب يدرسون رغم وجود تعليم رسمي ومدارس حديثة نسبيا ومعلمين خريجي جامعات ودار معلمين وذلك لأسباب منها أن بعض الأسر الفقيرة لا يناسبها أن يرتبط أبناؤها بدوام ثابت في المدارس طوال تسعة أشهر من العام لأن هذه العائلات تحتاج ابناءها للعمل معها في الزراعة والرعي وتأمين الحطب ومؤونة الشتاء إضافة لأن معدل عدد أفراد الأسرة في النصف الأول من القرن العشرين كان حوالي عشرة أفراد وكانت القدرات المالية والمداخيل لأرباب الأسر لا تكفي الحاجات الضرورية لهؤلاء الأفراد من طعام وشراب ولباس وطبابة وغيرها لذلك كان مطلوب من الأبناء المشاركة في تحمل أعباء الأسرة في سن باكر . والكتاب يناسب هذه الأسر نظرا لحرية الدوام فيه . إضافة لذلك فقد كانت المدرسة الرسمية تشترط وجود وثائق ثبوتية لدى التلميذ المراد تسجيله فيها ولم يكن أولياء الأمر يهتمون لوجود هذه الوثائق خاصة الذين لا يستفيدون في رواتبهم من معاش الإبن أو الإبنة على غرار الموظفين الرسميين من جنود ودرك وأساتذة وغيرهم حيث كان معاش الولد يساوي ست ليرات لبنانية يومها وكان التاجر والمزارع والراعي والحرفي والمكاري وشغيل الفاعل لا يؤمنوا وثائق ثبوتية لأبنائهم إلا في حال الضرورة القصوى فكانوا يؤمنوا وثائق ثبوتية لثلاثة أو أربعة أولاد دفعة واحدة ودون تدقيق في تواريخ الميلاد ويتركون الأمر على ذاكرة المختار فتكون تواريخ الميلاد إستنسابية ومتداخلة بشكل مثير للضحك بين الأخوة لعدم مناسبتها للأعمار الحقيقية للأولاد فتحمل بطاقة الصغير تاريخ ميلاد الكبير وكان يحصل تغير بأسماء العائلات فجزء من العائلة يكون من آل رشيدي والجزء الآخر من آل شمعون هذا على سبيل المثال ويوجد غيرهم أمثلة كثيرة من العائلات التي يحمل أبناءها أكثر من إسم كما أن بعض الموظفين يستعجلوا في قبض معاش الولد قبل الولادة فيحصلوا بطاقة له قبل ولادته ويكون مقدرين أن يأتي المولود ذكرا فيأتي أنثى فتضطر هذه الأنثى أن تنتظر لتنجب والدتها مولودا ذكرا فتتبادل معه البطاقة وتحمل تاريخ ميلاده ويحمل تاريخ ميلادها كل العمر . من أجل كل ذلك بقي أبو عبدو إبراهيم عواضة وإحسان قاسم ظاهر سويد والشيخ محمد علي نصرالله والشيخ حسين علي نصرالله يدرسون في الكتاتيب في بيوتهم وفي بيوت مستأجرة حتى بداية الخمسينات من القرن العشرين .


أول قرار بإنشاء مدرسة رسمية في الخيام

أما بالنسبة للتعليم الرسمي فقد تم تأسيس مدرسة في الخيام كانت من أوائل المدارس الرسمية في جنوب لبنان وذلك على أثر إعلان دولة لبنان الكبير وصدور قرار من المندوب السامي الفرنسي الجنرال جورج كاترو عام 1920 بإنشاء مدرسة إبتدائية في الخيام وقد أنشئت هذه المدرسة بداية في بيت مستأجر عبارة عن غرفة واحدة في منزل الحاج خليل حسان وقد تسجل في تلك المدرسة يومها خمسون تلميذا وتلميذة واحدة ويوجد لدينا صورة عن (جدول خلاصة علامات الإمتحان السنوي للعام الدراسي 1922 - 1923 للمدارس الرسمية)


معطيات ووثائق عن أول مدرسة رسمية أنشئت في الخيام

سنرفق المقال بصورة عنه والتلميذة الوحيدة المسجلة في هذا الجدول هي إبنة صاحب المنزل المؤجر للمدرسة وتدعى زينب خليل حسان. وكان مدير وأستاذ هذه المدرسة هو الأستاذ حسين شمس من مدينة النبطية ولم يكن يعاونه في مهمته التدريسية أحد وقد ظهر على قفا جدول خلاصة العلامات سابقة الذكر مجموعة تواقيع منها التالي:

1 - مميز القرآن والعلوم الدينية : محمد علي خليل نصرالله وحسين صادق.

2 - مميز الدروس العربية : حسن صادق.

3 - مميز الدروس الإفرنسية : القس بطرس بصبوص.

4 - مميز الرياضيات والطبيعيات : محمد عبدالله.

5 - تحت عنوان وجوه ( أعتقد أن المقصود بها وجهاء المجتمع الخيامي ) وقع : فارس نعمة الجلبوط و علي عبدالله.

6 - وتحت عنوان رئيس وقع محمد حسن عبدالله.

بعد حوالي خمس سنوات إنتقلت المدرسة الرسمية في الخيام إلى منزل إسكندر عبود وأصبحت تتألف من غرفتين يفصل بينهما ممشى على غرار تصميم المنازل الذي كان معتمدا في تلك الأيام في الخيام . ومع إنتقال موقع المدرسة نقل أيضا الأستاذ حسين شمس الى مدرسة خارج الخيام وحل محله ثلاث أساتذة هم : ( يوسف البصبوس أستاذ اللغة الفرنسية وهو خريج مدرسة الحكمة في بيروت وقد تابع دراسته في بلجيكا لمدة أثنا عشر سنة وعمل لا حقا سكرتيرا للمندوب السامي الفرنسي في لبنان وكانت أمه مريم الفرزلي أيضا خريجة مدرسة الحكمة ويوسف البصبوس هو إبن أخ القس بطرس البصبوس رئيس الطائفة المارونية في الخيام من العام 1910 إلى العام 1929 حيث جاء من بيروت إلى الخيام وتزوج فيها وبقي فيها - أما الأستاذ الثاني في المدرسة الرسمية كان من آل جابر من النبطية وهو المسؤول عن اللغة العربية - والأستاذ الثالث كان يدعى المعلم أنطون وكان هو المسؤول عن المدرسة كما كان يدرس مع زملائه الأساتذة مواد أخرى).

درس في هذه المدرسة أصحاب الأسماء الواحد والخمسين الذين وردت أسماؤهم في جدول خلاصة علامات الإمتحان السنوي للمدارس الرسمية.


الأستاذ علي حسين عبدالله يحمل حلم والده في إمتهان التعليم

ودرس في هذه المدرسة الرسمية التي أسست حديثا في الخيام عام 1927 الأستاذ علي حسين عبدالله الذي يعتبر رائد التعليم الرسمي في الخيام ومربي جيل الآباء وقد إنتقل إلى المدرسة الرسمية بعد سنتين دراسيتين تأسيسيتين قضاهما عند الشيخ محمد علي نصرالله والشيخ إبراهيم عواضة (أبو عبدو) أستاذ الأجداد والآباء. وقد تابع الأستاذ علي دراسته وتخرج من دار المعلمين وعاد ليكون أول مدير خيامي للمدرسة الرسمية في بلدته حيث حقق بذلك حلما بناه منذ طفولته وغذاه والده الذي كان قد درس في المدرسة الرسمية التركية في مرجعيون والتي أسسها الأتراك في السراي هناك وكانت تسمى المكتب السلطاني ونال والده السرتفيكا في مرجعيون عام 1909 وانتقل للدراسة في دار المعلمين في بيروت وكان من الذين يقدر لهم النجاح لولا الخلاف الذي وقع بين إيطاليا والسلطنة العثمانية حيث قام الأسطول الإيطالي على أثر ذلك الخلاف بقصف مدينة بيروت وعطل الحياة فيها ومن جملتها تعطلت المدارس فعاد حسين عبدالله الى الخيام وبعد إستقرار الأوضاع الأمنية في بيروت أراد العودة إلى دار المعلمين لكن والده رفض عودته فاضطر لتعلم مهنة النجارة على يدي النجار الخيامي البارع شاهين عساف القسيس هو وزميل له هو عبدو عيسى خريس. وظل والد الأستاذ علي يحبب إليه حلم الدراسة في دار المعلمين حتى حقق الأستاذ علي أخيرا حلم الوالد وتخرج من دار المعلمين وعاد الى الخيام مديرا لمدرستها التي كانت قد أصبحت في بيت الحاج خليل عبدالله حيث سنتحدث عنها في حلقات قادمة إن شاء الله.


لئلا تضيع

هي ذكريات أسست لنشوء مدينة جميلة إسمها الخيام بناها الأجداد والآباء بجهد وعذابات مضنية وجبلوا أعمارهم بدمهم وعرقهم وتعبهم وسهرهم وعبروا محطات وتحديات وأزمات كانت في كثير من المراحل تهدد وجودهم ومستقبل أبنائهم وأسرهم ورغم كثرة الصعاب والمخاطر انتصروا بإرادة الحياة التي تمتعوا بها وتركوا لنا إرثا وذكريات جميلة هي مدعاة للفخر والإعتزاز وهذه الذكريات تمثل مخزونا ومعينا لا ينضب من التجارب والخبرات والحكمة التي حرام علينا أن نسمح بأن يطويها النسيان والضياع .

من هنا وعرفانا منا بأهمية الكنز التراثي الذي تحويه الخيام سنبدأ عرض سلسلة من الأبحاث والمقالات التي تتحدث عن تاريخ الخيام في كافة مجالات الحياة وأرجو من كل من لديه قدرة من أبناء الخيام الأحبة وهم كثر ولله الحمد أن يشارك بتقديم إضافة أو ملاحظة أو يمد لنا يد العون لنقدم لنقدم عملا لائقا بالخيام وأهلها الطيبين .

مع الشكر الجزيل والإمتمان سلفا لكل من ينصحنا ويهدي إلينا عيوبنا ربويسامحنا على هفواتنا غير المقصودة ويتكامل معنا في هذا المسعى النبيل.


مصادر البحث:

1 - الأستاذ علي حسين عبدالله.

2 - إبراهيم يوسف البصبوس .

3 - إبراهيم خليل سمور.

على أمل أن نقوم بإغنائها بكل إضافة يمكن أن تقدم لنا من أهل الخيام الطيبين والذين لديهم معلومات تفيد.


* المهندس عدنان إبراهيم سمور، هاتف & واتس: 03/209981

موضوع ذات صلة: تاريخ التربية والتعليم في الخيام - الجزء الأول

صورة عن جدول من العام 1922 للتلامذة. والتلميذة الوحيدة المسجلة في هذا الجدول هي إبنة صاحب المنزل المؤجر للمدرسة وتدعى زينب خليل حسان
صورة عن جدول من العام 1922 للتلامذة. والتلميذة الوحيدة المسجلة في هذا الجدول هي إبنة صاحب المنزل المؤجر للمدرسة وتدعى زينب خليل حسان


الوجه الآخر للجدول
الوجه الآخر للجدول


تعليقات: