ما بعد الإفلاس: لبنان أمام الخيارات الكارثيّة

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة
حاكم مصرف لبنان رياض سلامة


2.36 مليار دولار تستحقّ للدائنين الأجانب ستدفع من احتياطات مصرف لبنان (ودائع الناس) (مروان طحطح)

في الأسابيع الأخيرة، انطلق نقاش جدّي حول إعادة هيكلة الدين العام ربطاً بجدوى سداد استحقاق 9 آذار المقبل الذي تبلغ قيمته 1.2 مليار دولار. حتى الآن، تقف وجهات النظر على طرفَي نقيض بين من يريد الاستمرار في دفع الديون من احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية (من ودائع الناس عملياً) بهدف شراء وقت إضافي، وسط ضبابية أفق الحلول للنهوض من الأزمة المالية ــــ النقدية، وبين من يرى أن التخلّف عن السداد رغم مخاطره السياسية التي قد تخضع لبنان لصندوق النقد الدولي هو أمر محتوم يوجب الوقوع فيه اليوم قبل الغد لكي لا تُهدر احتياطات مصرف لبنان على الديون. المفاضلة تكمن في أي الخيارات هو الأقل ضرراً!

ثمة محور واحد لكل الاجتماعات التي عقدت في السرايا الحكومية قبل أيام وفي عين التينة أمس، وسواها من اللقاءات الثنائية غير المعلنة: هل ندفع سندات الدين التي تستحق في آذار 2020، أم نبدأ بإجراءات التخلّف عن السداد. أحلى الخيارات المطروحة مرّ؛ الدفع يستنزف المزيد من احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية المتهالكة أصلاً، فيما يفرض التخلّف عن السداد التعامل مع الدائنين الأجانب الذين يتوقع أن يربطوا موافقتهم على إعادة الهيكلة أو إعادة الجدولة بخطّة ماليّة يشرف على تنفيذها صندوق النقد الدولي الذي سيأتي حاملاً وصفته الكارثية وخلفياته السياسية.

الاستحقاق المصيري

في 2020، تستحق على الدولة اللبنانية ثلاثة سندات يوروبوندز يبلغ مجموعها 2.5 مليار دولار: 1.2 مليار دولار في آذار، 700 مليون دولار في نيسان، و600 مليون دولار في حزيران. كذلك تستحق فوائد على محفظة سندات اليوروبوندز بقيمة 2.18 مليار دولار تتوزّع على دفعات شهرية تتراوح بين 33 مليون دولار و539 مليوناً.

تعريف موجز

سند اليوروبوندز هو دين على الحكومة اللبنانية بالعملة الأجنبية، يحصل الدائن مقابله على «ورقة» يحدَّد فيها تاريخ ردّ الدين وفوائده وطريقة تسديدها، بالإضافة إلى شروطه القانونية للتداول في الأسواق الدولية وآليات التوقف عن السداد وسواها من آليات التعامل بين الدولة المقترضة والدائنين.

وبحسب المعطيات الأخيرة عن هوية حملة السندات، فهي على النحو الآتي: 65% من الاستحقاقات الأساسية (أصل السندات)، أو ما يوازي 1.6 مليار دولار، محمولة من أجانب (كانت 44.9% قبل بضعة أسابيع، إلا أن المصارف باعت بعضاً من السندات التي تحملها لمستثمرين أجانب بما يؤمن لها سيولة طازجة بالدولار، وبما يؤمن للمستثمرين الأجانب فرصة لتحقيق أرباح من سندات سعرها بخس، رغم أن مخاطرها مرتفعة). كذلك يحمل الدائنون الأجانب 35% من مجموع الفوائد السنوية، أي ما يوازي 765 مليون دولار. في النتيجة، مجموع ما يحمله الدائنون الأجانب يصل إلى 2.36 مليار دولار.

هذه المعطيات ضرورية للنقاش المتعلق بتسديد السندات والفوائد أو التخلّف عنها. فالاستحقاق الأول المطروح أمام لبنان، هو استحقاق 9 آذار 2020 (1.2 مليار دولار أصل السندات و143 مليون دولار فوائد). فهل يتوجب علينا أن ندفع هذا الاستحقاق أم نتخلّف عن سداده فتستحق كل السندات وفوائدها؟ هذا السؤال لم يقفز إلى الواجهة فجأة، بل هو متصل بنقاش سابق حول جدوى تسديد استحقاق تشرين الأول 2019 وقيمته 1.5 مليار دولار. يومها برزت دعوات للتخلّف عن السداد، إلا أن الاعتراضات عليها، ولا سيما من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، كانت مبنية على أن التخلّف عن السداد غير ممكن في ظل حكومة مستقيلة وانقسام سياسي حول تشكيل الحكومة، فيما تتطلب هذه الخطوة رسم خطّة واضحة وشاملة، فضلاً عن الإجراءات المتبعة في مثل هذه الحالات.

ما حصل هو أن مصرف لبنان سدّد نيابة عن الحكومة استحقاق تشرين الأول الماضي، وبقي السؤال الأساسي بلا جواب: ما هي جدوى الاستمرار في تسديد الديون؟ هل يجب أن نواصل تسديدها، فيما كل المعطيات التي تداولها المعنيون تشير إلى أن الإفلاس وقع ودقّت ساعة الحقيقة التي لم يعد ممكناً التعامل معها بالتمييع على الطريقة اللبنانية؟ هل نسدّد الديون من احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية؟ بأيّ هدف؟ وضمن أيّ خطّة؟

هكذا بات استحقاق آذار المقبل مصيرياً. فمع قرب استحقاق آذار 2020 بالتوازي مع تأليف الحكومة واستعداداتها لنيل الثقة على أساس البيان الوزاري، عاد النقاش بقوّة إلى مسألة الدفع أو التوقف عنه. استدعى الأمر عقد اجتماع مالي برئاسة رئيس الحكومة حسان دياب وبحضور كل من وزير المال غازي وزني، والبيئة دميانوس قطّار، والاقتصاد راوول نعمة، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف سليم صفير. في هذا الاجتماع، انحاز دياب وسلامة إلى الاستمرار في تسديد الديون، فيما تحفّظ وزني على هذا الأمر.

هذه المواقف أطلقت تسارعاً في وتيرة الاجتماعات بشأن هذا الاستحقاق الذي بات يستحوذ على استقطاب سياسي، وخصوصاً من ثنائي حركة أمل وحزب الله. رئيس مجلس النواب نبيه برّي عقد أمس اجتماعاً مالياً، حضره إلى وزني، وزير المال السابق علي حسن خليل، والنائب علي فياض ورئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق عبد الحليم فضل الله. بحسب المعلومات، فإن النقاش تطرّق إلى مسائل عدّة مطروحة في البيان الوزاري، مثل مسألة الكهرباء المستنسخة من خطط سابقة «فاشلة»، لكن المسألة الأساسية كانت حول استحقاق آذار 2020 والخيارات المطروحة، إلا أنه لم يتخذ أي قرار نهائي بهذا الشأن بعد.

صندوق النقد حتمي؟

عملياً، صار هناك أكثر من وجهة نظر حول استحقاق آذار:

ــــ أهمية هذا الاستحقاق نابعة من كونه الأكبر بين استحقاقات السنة الجارية، لذا فإن تسديده ثم التخلّف عن سداد الاستحقاقات التالية أمرٌ لا معنى أو قيمة له سوى إهدار مبلغ من احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، وهذا يوجب اتخاذ القرار اليوم وليس غداً. أصحاب هذه الوجهة يحاججون بأن ضرورة التخلّف عن السداد مبنية على أنه لا يوجد إلا خياران: الدفع أو التخلّف عنه. الدفع سيتم بأموال المودعين التي لا يمكن التفريط بها من أجل الدائنين، فضلاً عن أنها سترتّب تداعيات اقتصادية واجتماعية قد تؤدي إلى تحريك الشارع بوتيرة غير مسبوقة. وإلى جانب ذلك، فإن المعطيات المالية تشير إلى أن احتياطات مصرف لبنان القابلة للاستعمال لا تزيد على 8 مليارات دولار، وبالتالي فإن تسديد 2.3 مليار دولار للدائنين الأجانب سيؤدي إلى نقص فوري في الاحتياطات بنسبة 29% ولن يبقى سوى 5.7 مليارات دولار لاستيراد الأكل والشرب والمحروقات والمواد الأولية والأساسية... وهذا المبلغ لا يكفي إلا لبضعة أسابيع.

كل المعطيات التي تداولها المعنيّون تشير إلى أن الإفلاس وقع، ودقّت ساعة الحقيقة

ومن ضمن النقاش أنه لا يمكن التعويل على الأموال الخارجية للمصارف لتمويل عمليات استيراد، لأن هذه الأموال شارفت على النفاد ولن يعود بإمكانها فتح اعتمادات لتمويل الاستيراد، ما يعني أن المأزق سيكون كبيراً خلال الأسابيع التي ستلي تسديد الاستحقاق والفوائد، إذ لن يوفّر هذا الاستحقاق أي أموال جديدة للمصارف.

لكن جوهر النقاش لدى أصحاب هذه الوجهة ليس محصوراً بالتسديد، بل يشمل أيضاً إجراءات التخلّف عن السداد. فهل سيكون على لبنان مواجهة الخضوع لصندوق النقد الدولي؟ كيف نتعامل مع صندوق النقد الدولي ومطالبه؟ فالخضوع لصندوق النقد الدولي سيكون موجعاً جداً وخصوصاً أن تدخّله لمساندة عملية إعادة هيكلة أو إعادة جدولة الدين العام لا يمكن أن يأتي من دون ثمن سياسي واجتماعي هائل من خلال فرض أجندة إصلاحات تتضمن زيادة الضرائب والخصخصة، «لكن الخضوع قد يأتي اليوم بشروط أقلّ حدّة مما سيأتي عليه لاحقاً عند التخلّف القسري عن السداد». فضلاً عن أن قرار الاستمرار في تسديد الديون أو التخلّف عن سدادها، ليس قرار جهة سياسية واحدة، سواء كان رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو الكتل السياسية الممثلة في الحكومة ومجلس النواب، أو أي طرف آخر مثل حاكم مصرف لبنان.

يقول المطلعون إن عقود اليوروبوندز تسمح بدعوة الدائنين إلى اجتماعات للتفاهم معهم خلال فترة زمنية معينة (في العادة لا يكون الدائنون متوترين كلما كانت الفترة أقل من 6 أشهر)، وهذه العقود لا تتيح للدائنين الحجز على الذهب ولا على أصول شركة الميدل إيست ولا على أي أصول سيادية أخرى مثل السفارات وسواها، ولا يكون بإمكانهم الحجز على الاعتمادات التي تفتحها المصارف لاستيراد القمح والمحروقات والأكل وسواها... وبالتالي فإن مكمن القوّة هذا يمكن استعماله للتوصل إلى اتفاق مع الدائنين. كذلك ليس هناك ما يجبر الدائنين على إخضاع لبنان لصندوق النقد الدولي إلا بواسطة النفوذ الذي يمارسونه، وهو أمر متوقع من بعضهم.

العودة إلى التسوّل

ــــ أصحاب الرأي القائل بوجوب الاستمرار في دفع الديون، أي دياب وسلامة، يروّجان بأن شراء الوقت على طريقة القيام بهندسة مالية واسعة تتضمن استبدالاً للسندات التي تحملها المصارف بسندات يحملها مصرف لبنان في محفظته وإقراض المصارف بالليرة وإعادة توظيف هذه القروض لدى مصرف لبنان (بهدف رسملة المصارف)، يمنح الحكومة فرصة لإجراء جولة «تسوّل» على بعض الدول. عدا عن سذاجة هذا السلوك الذي يلغي حقيقة أن الدول ترعى مصالحها الخارجية، أي أنه لا يوجد إقراض أو هبات بلا ثمن سياسي يصعب حصول إجماع على تسديده، فإن اللجوء إلى الأدوات السابقة لمعالجة الإفلاس لا يبشّر إلا بأن المسؤولين في لبنان لم يعوا حقيقة التطورات الإقليمية والمحلية، وأنهم يريدون إنعاش نموذج فيه فجوة كبيرة بين قلّة من الأثرياء وكثرة من الفقراء. فمن الاعتبارات الأساسية التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار لمناقشة هذا الاستحقاق أن تسديد الديون من الاحتياطات يعني تسديدها من ودائع الناس التي استملكتها المصارف ووظّفتها لدى مصرف لبنان، وأن هذا الأخير أنفقها على تمويل الاستهلاك المترف للبنانيين وعلى الدائنين من مصارف وكبار المودعين المحليين والأجانب بدليل الأرباح الطائلة المحققة من الهندسات المالية.

ـــــ ثمة خيار ثالث يشير إلى إمكانية التمييز بين الدين الداخلي والدين الخارجي. ثمة من يقول إنه يجب سداد الدين الخارجي وإعادة هيكلة الدين الداخلي الذي تحمله المصارف. لكن هذا الخيار، عدا عن صعوبة تطبيقه في ظل عدم قدرة أي طرف على منع المصارف من بيع السندات لمستثمرين أجانب، لا يلقى رواجاً، لأن تخلّف الدولة عن السداد يخفض تصنيفها فوراً إلى درجة «إفلاس»، ما يستدعي خفضاً مباشراً لتصنيف المصارف التي ستصاب بالإفلاس كلها ضربة واحدة.

تعليقات: