نبيل هيثم: لبنان وإسرائيل والحرب!

نقاش دائم حول الحرب على «حزب الله»
نقاش دائم حول الحرب على «حزب الله»


مع كل دفعة عقوبات أميركية على «حزب الله»، يتعالى بعض الأصوات في اسرائيل وخارجها وتضخّ أجواء حربية تشي وكأنّ الحربَ الإسرائيلية على «الحزب» حتميّة، وأنّ الضغط الأميركي بالعقوبات على «الحزب» ومحاولة تضييق الخناق عليه مالياً واقتصادياً، بالإضافة الى تجييش العالم الغربي كلّه لتصنيف «حزب الله» منظّمةً إرهابية، يندرج في سياق التمهيد لهذه الحرب. هنا يحضر السؤال التالي: هل ستقع الحرب فعلاً؟لدى أحد الخبراء في الشؤون الإسرائيلية، جوابٌ جاهزٌ على هذا السؤال : خيار الحرب على «حزب الله» هو الشغل الشاغل لإسرائيل، وعندما تشعر أنّ في مقدورها أن تخوض حرباً حاسمةً ضد الحزب، لن تتاخّر في القيام بها».

في إسرائيل، يقول الخبيرُ المذكور، نقاش دائم حول الحرب على «حزب الله»، وهو ما تعكسه المستويات السياسية والعسكرية والإعلامية في إسرائيل، وكل الخلاصات التي انتهى اليها هذا النقاش تؤشر الى أنّ كل الخيارات الحربية التي يدور حولها النقاش بين هذه المستويات، لا تحقّق الهدفَ الإسرائيلي بتوجيهِ ضربةٍ قاضية للحزب.

النقاشُ الإسرائيلي، وكما يلاحظ الخبير المذكور، ارتفعت وتيرتُه بعد مناورة حماية الجبهة الداخلية والحسم ضد «حزب الله»، وكذلك المناورة العسكرية الضخمة التي أجرتها إسرائيل قرب الحدود مع لبنان والتي حاكت هجوماً للحزب على المستوطنات الإسرائيلية.

خصوصاً وأنّ تقييمَ هذه المناورات كان سلبياً لدى المستويات العسكرية تحديداً، وهو ما دلّ على أنّ كل الخيارات الحربية التي وُضعت على الطاولة، لا تحلّ مشكلة «حزب الله، وهو أمرٌ دَفع الى وضع مجموعة من الأسئلة في يد الطاقم السياسي والعسكري في إسرائيل:

هل ستخوض إسرائيل حرباً ضد «حزب الله» وجبهتُها الداخلية مكشوفةٌ ومعرَّضة لإلحاق ضررٍ كبير فيها؟

هل ستخوض إسرائيل حرباً لا حسمَ فيها ضد «حزب الله»؟

إسرائيل تخشى من تعاظم قوة الحزب، فأيُهما أربح لإسرائيل، تعاظُم قوة الحزب بلا حرب، أو حرب يمكن أن تؤدّي الى إلحاق ضرر كبير في الشعب الإسرائيلي وفي الجبهة الداخلية والبنية التحتية الإسرائيلية؟

ولعلّ السؤال الأهم في هذا السياق: هل الحرب ضد الحزب، ستؤدّي الى حسمها لصالح إسرائيل وإنهاء الحزب؟ والجواب على هذا السؤال: لا!

حتى الآن، والكلامُ للخبير المذكور، ثمّة قناعة راسخة لدى المستويات السياسية والعسكرية بأنّ الحربَ الإسرائيلية على «حزب الله» وبالتالي على لبنان، ليست مضمونة النتائج، أقلّه في هذه المرحلة.

والى جانب الداخل الإسرائيلي، يلفت الخبير في الشؤون الإسرائيلية، الى ما سمّاها «موانع» خارجية للحرب في هذه المرحلة، ومنها أنّ إسرائيل تعتبر أنّ العقوبات على «حزب الله» قد تزعجه، إنما لا تشكّل تهديداً وجودياً له ولا لنشاطه العسكري، ولذلك عمدت الى تسريبات متتالية عن عمل عسكري ضد الحزب، إلّا أنها صُدِمت من التجاهل الأميركي للتهديد الإسرائيلي، وكذلك صُدِمت من الجانب الروسي في محطة أولى حينما صبّ فلاديمير بوتين دلواً من الماء المثلّج على رأس نتنياهو - هذا التعبير للصحافة الروسية - حينما حاول نتنياهو انتزاعَ تعهّدات من الرئيس الروسي بردع التحرّكات الإيرانية في سوريا، فكان جواب نتنياهو أنّ إيران - ومعها «حزب الله» - باتت شريكة لروسيا في مكافحة الإرهاب.

يضيف الخبير المذكور أنّ الروس راقبوا التصعيد الإسرائيلي، وقاربوه من احتمالين؛ الأوّل، إما أنّ إسرائيل باتت في موقف يُجبرها على شنّ حربٍ على «حزب الله»، حتى وإن كان الأمرُ مقامرةً محكومة بعدم القدرة على تحقيق الربح المطلوب فيها، في ظلّ تنامي قدرات الحزب في لبنان. والثاني، وإما أنّ التهديدات الإسرائيلية مجرّد تصعيد سياسي لتحقيق مكاسب سياسية.

واللافت في كلام الخبير أنّ الروس تعاملوا مع الاحتمالين على قدر المساواة، ووضعوا السياسات المناسبة للتعامل معها على النحو الذي لا يبدّد الإنجازات التي حقّقتها موسكو في سوريا منذ بدء العملية العسكرية الروسية في سوريا قبل نحو سنتين، أو بشكل أدق لا يؤثر على النفوذ الروسي الذي تزايد في المنطقة وسوريا تحديداً، على نحوٍ اوسع من النفوذ الأميركي.

وثمّة رسائل شديدة الدلالة بعثت بها موسكو الى الجانب الإسرائيلي ولعل الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الى إسرائيل قبل أيام، كانت مناسبةً ًلتمرير الكثير من الرسائل، أبرزها رسالتان، الأولى إعلانه أنّ العملية ضد الإرهابيين في سوريا تقترب من نهايتها، والثانية الرسالة الجوّية التي بعثت بها من الأجواء اللبنانية، حين تعرّضت مقاتلةٌ حربية إسرائيلية لاستهدافٍ مباشر من قبل الدفاعات الجوّية السورية، والتي لم تتمكّن إسرائيل من الردّ عليها، قبل الحصول على موافقةٍ من الروس.

امام هذا الواقع، هل لدى إسرائيل خيارٌ غير الحرب؟

يقول الخبير في الشؤون الإسرائيلية، إنّ المراقب لمسار الأمور في إسرائيل يستنتج أنّ المستويات العسكرية والسياسية الإسرائيلية تسلك مسارَين في آن معاً، الأول، يتّصل بالحرب العسكرية المباشَرة، والثاني يتّصل بخياراتٍ بديلة عن الحرب تحقّق فيها إسرائيل نتائجَ مربحة لها في ميادين أخرى سياسية وغير سياسية.

المسار الأول، يقول الخبير، يبدو مقفلاً حتى الآن رغم توالي التهديدات بالحرب ضد «حزب الله»، وأما المسار الثاني فيبدو محفوفاً بالفشل حتى الآن أيضاً، وفي هذا المسار الثاني، يندرج الآتي:

- رهان إسرائيل على استفتاء كردستان كصاعق تفجير كبير لمنطقة الشرق الأوسط كلها ويضعها على مشرحة التفتيت، بما يربك، أو يضعف إيران وحلفاءَها وعلى وجه الخصوص «حزب الله»، إلّا أنّ هذا الرهان انكسر وبدا كحلمٍ خريفي لم يتحقّق، بعد الهجمات الإرتدادية التي شنّها الجيش العراقي بدعم مباشر من الروس وإيران وكذلك من تركيا.

- التجربة الجديدة التي تُخاض حالياً برعاية أميركية وشراكة عربية وخليجية مباشرة، حول الملف الفلسطيني ومحاولة إيجاد تسوية تُنهي كل حركات المقاوَمة الفلسطينية وفي المقدّمة «حماس»، وبالتالي تُخرج الملف الفلسطيني نهائيا من موقعه كقضية مركزية. هنا إسرائيل تعطي إسرائيل أولوية لهذا الموضوع، وتنتظر حجمَ الثمار التي ستجنيها من هذه التسوية إن حصلت.

- إنتظارُ تطوّرات الأزمة السورية، وخصوصاً بعد الهجمة الإرتدادية التي بدأها الأميركيون وحلفاؤهم في الرقة، والتي يُراد منها تضييق مساحة النفوذ للروس وحلفائهم في الميدان السوري، جغرافياً وسياسياً وعسكرياً، ورهان إسرائيل هنا على الصياغة السياسية التي ستحدّد خطّ النهاية للأزمة السورية، لعلّها تجد من خلال هذه الصياغة ما يمكن أن يؤدّي الى تقليم أظافر «حزب الله» وإيران.

تلك هي الصورة كما يرسمها الخبير في الشؤون الإسرائيلية من خلال رصد حركة المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، ويقول: كل الوقائع تشي بأنّ خيارَ الحرب الإسرائيلية على «حزب الله» وبالتالي على لبنان مستبعَد حالياً، إلّا أن لا إمكانية للثقة بالعقل الإسرائيلي، خصوصاً وأنّ بعض الساسة في إسرائيل مستعدون لإضرام النار، إذ إنهم يتعاطون مع خيار الحرب على الحزب كمادة لتحقيق مصالح إنتخابية.

خبير في الشؤون الإسرائيلية: خيارُ الحرب على لبنان ضعيف، لكنّ بعض الساسة في إسرائيل مستعدون لإضرام النار، إذ إنهم يتعاطون مع خيار الحرب كمادة لتحقيق مصالح ومكاسب انتخابية

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.