وما أدراك ما الصوت التفضيلي!

لعل أبرز إصلاح حصل عليه اللبنانيون في قانون الانتخابات "قسيمة الإقتراع الرسمية" المطبوعة سلفاً من قبل وزارة الداخلية، والتي ربما تضع حداً للتّلاعب الاقتراع الذي مارسته الماكينات الانتخابية الحزبية. وبالإمكان القول إنّ اعتماد النظام النسبي خطوة أولى في طريق الإصلاح، لكنّ "الضوابط" التي وُضعت على النسبيّة ليست إلا "براءة اختراع" لتأمين "عدالة" التمثيل "للكبار" والخيبة والخسارة للأقليّات. وإذا كانت "عتبة الحسم" المرتفعة لا تؤدّي إلى تشويه النسبيّة بشكل تام، فـ"ضابطة" الصوت التفضيلي كفيلة بذلك.

يقوم النظام الانتخابي الجديد على اعوجاج أساسي يتمثّل في "الصوت التفضيلي". وإذا كان هذا الأخير على المستوى التقني، يُعيد ترتيب المرشحين على كل لائحة من الأعلى إلى الأدنى بحسب الأصوات التفضيليّة التي منحها لهم المقترعون، ففذلكته الأساسيّة في لبنان لا تكمن في بعدها التقني هذا. بل إنّ من عمل على "ديباجيّته" حمّله أبعاداً سياسيّة بالدرجة الأولى.

تقوم طريقة توزيع المقاعد على اللوائح المؤهّلة وفقاً لنسب الصوت التفضيلي لكل مرشح على حدة. فوفق القانون، وبعد استبعاد اللوائح غير المؤهّلة، يتمّ دمج جميع اللوائح المتبقّية في لائحة واحدة ويُصار إلى إعادة ترتيب المرشّحين عليها من الأعلى إلى الأدنى بحسب نسبة الصوت التفضيلي للمرشحين في الدائرة الانتخابية الصغرى، وتوزّع المقاعد على المرشحين عمودياً بمعزل عن أي لائحة انتموا. ويفوز من حاز أعلى نسبة أصوات تفضيليّة. وبمعزل عن ضبابيّة القانون بشأن كيفيّة حصول اللوائح المتنافسة على حصصها، لقد اختيرت هذه الطريقة كي يتمّ تأهيل "الأقوياء" في طوائفهم كما أراد دائماً رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل.

بطبيعة الحال، سيقترع معظم الناخبين تفضيليّاً لطوائفهم أولاً، ولممثّلي الأحزاب التي تمثّل طوائفهم ثانياً. إذ لا مجال لتجيير الأصوات التفضيليّة لمرشحين آخرين على ذات اللائحة، فوظيفة هذا الصوت سياسيّة قبل أن تكون تقنيّة. بمعنى أنها لا تكمن في رفع حظوظ المرشح في الفوز بالمقعد، وإنما في إبرازه كممثّل قوي للطائفة. علماً أنه في أي بلد في العالم يعتمد النسبية يكون التصويت للّائحة وليس للمرشّح، لكن في لبنان تتمّ عملية التصويت للمرشح لا للائحة، بسبب الصوت التفضيلي.

ولا تقتصر مساوئ التفضيلي في لبنان على بعده السياسي في ترجيح كفّة الأقوياء في طوائفهم، بل يشّجع على الترشيحات المنفردة أو شبه المنفردة، أي لوائح غير مكتملة تتخفّف من عبء التحالفات. حتى أنّ الرئيس نجيب ميقاتي صرّح بعد صدور القانون بأنه ربما يلجأ إلى هذا الخيار. فبينما تحتاج اللائحة المكتملة إلى توازنات في عملية توزيع الأصوات التفضيليّة بين المرشحين، تتجنّب اللوائح غير المكتملة هذا الأمر. ولمزيد من الوضوح، في دائرة طرابلس- المنية- الضنية يحتاج تيار المستقبل إلى توزيع أصواته التفضيليّة على مرشحيه بطريقة متوازنة كي يرفع حظوظهم، بينما يستطيع ميقاتي تشكيل لائحة غير مكتملة والحصول على نسبة من الصوت التفضيلي أعلى من بعض مرشحي المستقبل، وبالتالي تسهيل الفوز.

وحالة طرابلس تتعمّم على الدوائر الانتخابية، حيث يعرف "الزعماء" أنّ قدرتهم التجييرية الفردية تمكّنهم من الحصول على عتبة الحسم، ونسبة الأصوات التفضيلية. بالتالي، الإقدام على خيار عقد التحالفات بالمستويات الدنيا.

ولكون توزيع الصوت التفضيلي سيكون على "ميزان الذهب"، سينقل الأخير المنافسة التي من المفترض أن تكون بين اللوائح إلى المرشحين على ذات اللائحة. بالتالي، لن تؤدِ النسبية التي سيختبرها لبنان مبتغاها الأساسي، أي تشكيل لوائح وعقد تحالفات وطنيّة قائمة على البرامج السياسية، إلا بما ندر.

* المصدر: المدن

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.