الجريمة الصامتة....الزواج في زمن الحرب

في ظل موت مقيم ومتعدد الوجوه وفي ظل الفقر المعمم والجهل المكرس كنمط أزلي للعيش ,يتحول الزواج من عملية بناء وتشارك إلى عملية هدم تضيف للموت بعدا جديداً، وفي غمرة المسكوت عنه لغياب الأفق لأي حل ممكن أو لاستحالة التنبه لظروف المتألمين والمتألمات والمضطهدين والمضطهدات والموتى بغير الرصاص، يتحول الزواج إلى جريمة جنائية متكاملة التوصيف لكنها متروكة للعبث والريح كما هي أحوال وأعمار السوريين والسوريات .

مريم هي الزوجة الثانية لشاب هاجر إلى ألمانيا منذ حوالي العامين. رحل ومريم في شهور حملها الأخيرة، وبعد الولادة تنبهت بأنها غير مسجلة كزوجة وبات عليها تثبيت واقعة زواجها لتتمكن من تسجيل ابنتها، لكنها تفاجأ بأن الزوج قرر لم شمل الزوجة الأولى لأنها أم الصبيين وطالب مريم مهدداً إياها بالطلاق، بتسجيل ابنتها على قيود ضرتها واعدا مريم بأن ابنتها ستلم شملها لاحقا، وحين رفضت طلقها عبر شيخ الحارة والمختار .

في سوريا حيث #التهجير و النزوح من البيوت غدا أمراً واقعاً، اضطرت آلاف العائلات لاستئجار بيوت تتراجع باضطراد شروطها الآدمية للسكن والعيش لدرجة باتت بدلات الإيجار شبحاً مرعباً لا قدرة للكثيرين على مواجهته، مما يدفع بعض العائلات للعيش معا في بيت واحد يستحيل معه استعمال المرافق الصحية والاستحمام بشروط آدمية، أو للرحيل نحو معامل البلوك المهجورة أو الحدائق العامة للسكن فيها يتحول الزواج الثاني غير المتكافئ وغير المنطقي إلى حل !!!.

يعمل أبو جهاد عتالاً في سوق الخضار، وبعد أن أعلمه صاحب البيت المستأجر بضرورة ترك البيت أو رفع بدل إيجاره إلى الخمسين ألف ليرة، ضاقت الدنيا في وجهه ووجه عائلته التي أيقنت أن وجهتها القادمة هي الشارع ليس إلا، فما كان من زوجته إلا التقدم لخطبة السيدة التي تقوم ابنتها بمساعدتها ببعض الأعمال المنزلية لزوجها، والسيدة العازبة والوحيدة والتي تملك منزلاً مستقلاً رفضت رفضا قاطعا بعد أن أشبعت السيدة شتائم ومذلة وبعدما قامت بطرد الابنة من عملها لديها، وقد تكرر تزويج فتيات صغيرات لرجال لهم ضعف أعمار الفتيات ولهم أبناء وزوجات وأحفاد لمجرد تأمين سكن لعوائل الفتيات أو لضمان الحماية والمأوى..

كما تبرز هنا المشكلة الكبيرة لتزويج الطفلات وخاصة لعرب أو خليجين وتتم بمباركة المشايخ والمخاتير وموظفي الإغاثة وسماسرة من النساء والرجال يقبضون على (الراس)، ويدعون بأنهم يؤمنون الحماية والرعاية ويحللون كل أعمالهم المنافية للقوانين حيث تضيع القوانين على عتبات المسلخ الذي يسوقون الطفلات إليه بعد أن تحولت القوانين والشرائع والموانع والموجبات إلى مجرد أوراق لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به.

وتتضاعف النتائج الكارثية لموت الزوج وخاصة من العسكريين في ساحات القتال حين يتشارك مع ضياع حقوق الزوجة والأبناء لعدم اعتراف القانون بالزواج العرفي المتبع كثيرا في زمن الحرب وغير المثبت بالوثائق الرسمية، وفي بعض الأحيان يرفض أهل الميت الاعتراف بالكنة لأنها لم تحز على رضاهم عند الزواج أصلا أو أن أهل الميت قد يجبرون الزوجة في بعض الأحيان على الزواج بشقيق الميت طمعا إما في التعويض أو الراتب الشهري المستحق للراحل أو طمعا بحفظ النسب وحضانة أطفال الراحل في كنف عائلته .

كما أن ضياع الأوراق الثبوتية وفقدانها أو احتراقها وتلفها أو لمجرد نسيانها في البيوت المهجورة والتي تحولت لتراب، يفاقم في التبعات السلبية لقضايا الإرث وتثبيت الزواج وإثبات نسب الأطفال وحقوق الزوجات والأبناء او في تحديد العمر الحقيقي للطفلات المعرضات للزواج القسري والمبكر، إضافة إلى حالات معقدة لزواج متعدد يتأخر كشف ملابساته وتضيع معه حقوق الجميع .

حين تمرّغ الحرب وجه البلاد تفيض الجراح ويتلبس القهر وجه امرأة، امرأة بلا بيت وبلا عمل أو حماية أو رعاية، بلا أولاد وبلا زوج أو مجرد عنوان سكن أو رقم الخانة على دفتر العائلة، بلا شهادة ميلاد أحيانا وبلا وثيقة زواج أحيانا أخرى، بلا أي شيء، إلا جسد اعتاد الحراب واعتاد أن يكون سلعة للمزايدة والمتاجرة وحتى للمكاسرة والضغط وكسر الإرادة أو تحقير الكرامة .

في الحرب الزواج انتكاس للشراكة وإمعان في سيل الجرائم وأشدها بؤسا الصامتة منها وغير المعلنة .

* كاتبة سورية

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.