لنرش السكر على الجراح

الشاعرة هدى صادق: عليّ أن أعد كم من وردة ذبلت وكم من عصفور نفق  وكم من بيت تهدم وكم من قرميد تحطم في الخيام
الشاعرة هدى صادق: عليّ أن أعد كم من وردة ذبلت وكم من عصفور نفق وكم من بيت تهدم وكم من قرميد تحطم في الخيام


سأحتفل اليوم بعيد ميلادي

بعيدا عن الارقام..

ليس خجلا من سنوات عمري صدقوني

بل يصعب علي أن أعي كم من أرقام العمر أحرقتها الأيام..

وكم من سنوات مضت في غربتي وأنا أراقب العام يجرى خلف العام ..

حتى بات العمر مجرد نعاس يعقبه نعاس يختبيء في كومة أحلام..

وإن سألتموني عن عمري

آنذاك عليّ أن أعد كم من وردة ذبلت وكم من عصفور نفق

وكم من بيت تهدم وكم من قرميد تحطم في الخيام ..

وكم من مطر بكى ورعد إشتكى وصيف على كتف المغتربين إتكى ونام ..

فحقا عمرى لا يقاس بالأرقام..

بل بكل إسم لشهيد تناوبت على أشلائه الغام..

وبكل جنين كتب له القدر قبل تكوينه الإعدام..

وبكل جرح أحدثته الحرب وبترت أحلامه عن الإلتئام..

وبكل مسن كان يترقب عودة أبنائه من البعيد فمات دون أن يمل فمه الإبتسام ..

وبكل رصاصة طائشة ضلت طريقها واستقرت في ضلع شاب أو شابة كفنها الموت بوبر الظلام..

عيد ميلادي أيضا ورقة توت

غصن زيتون

حبة عنب

بزرة كرز

قشرة ليمون

والكثير الكثير من الأشياء والكلمات والقصائد والأقلام ..

والأمنيات التى تعشش في مناقير الطيور

وفي أزرار اللوز المرشوشة على الأكمام ..

عمرى يبدأ مع كل شروق شمس في الخيام ..

مع كل صياح ديك

ورائحة كعك

ونضوج قرون خروب

وتفسخ كرات جوز

واحتراق سمسم

على منقوشة زعتر

تبادل مشتهيها الغرام

عمرى يبدأ من تثاؤب سهلها

لمشاغبة الوزاني

لمرواغة الليطاني

لجنون الخرايب

وكركبة الغجر

وخرخشة الوطى وهو يداعب طيشنة الاغنام ..

عمرى كل هذا وأكثر

فكلما عاد الى الخيام مغترب

إحتفلت بعيد ميلادي وكلما إختارت صبية ثوب عرسها إحتفلت بعيد ميلادي

وكلما كركرة أرجيلة السهارى إحتفلت بعيد ميلادي

وكلما ارتخي جسد العجين على الكارة إحتفلت بعيد ميلادي

وكلما صبغ شارع وشيد بيت ولمعت بالقصدير صواني وزار فرح تلك الحارة أو تلك الحارة إحتفلت بعيد ميلادى

سأجمع اليوم البوم ذكرياتي وصورة قيدي العائلي

وألملم من الماضي رائحة بيت جدي وأصوات المارة

وأبواق السيارات والقباقيب والجرارات وعربات بيع الخضار

وأجلس تحت الميسة مع خيالي

لأضع على خارطة اشتياقي ستة شموع

هي حروف الخيام..

وسأنفخ عليها وأغني لي كل عام وأنا هدى من الخيام

وسأكمل تلوين مدن الحب على قصائدها

وأنحت رسمة قلب على مفاتنها

وأسور حاشية العمر بمعالمها

واقطع حلوى التفاح

وأشاركها فنجان قهوة الصباح

وإن كانت غربتي تمتد من لحظة ولادتي

الى لحظة تنتظر مع عطرها رش السكر على الجراح ..


* الشاعرة هدى صادق

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.