فان غوغ.. من معهد الفنون في الجامعة اللبنانية إلى العالمية

أُقيم في معهد الفنون الجميلة في الحدث نشاط فني، بصبغة ما بعد حداثيّة محبّبة، لطلاب الفروع والاختصاصات كافة (في ذكرى اليوبيل الذهبيّ للمعهد) إضافة إلى معرض للوحات كبار الفنانين وأساتذة المعهد.

عُرضت في النشاط الأعمال الفنيّة التي نفّذها طلاب المعهد، فكان لافتاً مستوى هذه الأعمال وتنوّع ابتكاراتها (ولا سيّما العمل التفاعليّ لطلاب الماستر في قسم الفنون التشكيليّة). تجهيزات العمارة حاكت الفن الشعبيّ، بينما غلبت على تجهيزات الهندسة الداخليّة المكعّبات بأشكالها المفرّغة والملوّنة والمرسومة بخطوط وتصميمات مختلفة تداخلت فيها التكعيبيّة والمنيماليّة والفن البصريّ والكتابة، وغيرها من الأساليب والتيّارات الفنيّة الحديثة والمعاصرة. أمّا الفنون الإعلانيّة فقد امتازت بزخارفها ولعبها على الشكل واللون والتضاد، ولا سيّما وجه المطربة فيروز.

تفنّن الطلاب بلباسهم المستوحى من العصور الغابرة والفولكلور الأوروبيّ والغربي، وفي بعض الحالات النادرة المحليّ، وقد وضعوا على رؤوسهم تصاميم منوّعة لقبّعات كانت ترتديها النسوة في أزمنة سابقة مع نفحة ما بعد حداثيّة في تصميمها وعرضها صُنعت من موادّ محتلفة، خشبيّة وبلاستيكيّة وشرائط ومعادن خفيفة... الخ.

في ركن من أركان القاعة الكبيرة المخصّصة للنشاط الفني إستراحت مجموعة من أعمال الفنانين التشكيليّين اللبنانيّين الذين امتازوا بتجاربهم عبر العقود كأن نذكر عمر الأنسي، جان خليفة، إيلي كنعان، عارف الريّس، بول غيراغوسيان، إبراهيم مرزوق، موسى طيبا، حسن جوني، حسين ماضي.... وغيرهم ممّن اقتنت الجامعة اللبنانيّة أعمالهم المحفوظة والمعلّقة في إدارة معهد الفنون في الفرع الأوّل كنواة لمُتحف فنيّ مفقود في هذا الوطن.

العمل الأبرز الذي توقف عنده الجميع، باهتمام بالغ، كان العمل التفاعليّ لطلاب الماستر في المعهد الذي تشاركوا فيه فكرة وتنفيذاً، واستوحوا فيه الفنانَين الهولنديّين، "فنسنت فان غوغ" (1853- 1890) الذي عاش في القرن التاسع عشر، و"فرمير دي دلفت" (1632- 1657) الذي عاش في القرن السابع عشر؛ الأوّل جسّده الطالب "محمد هويلو" الذي حوّل جسده إلى لوحة فنيّة فان غوغيّة بامتياز (على طريقة فن الجسد) من أعلى رأسه المزيّن بطاقية من القش ملوّنة، حتى أخمص قدميه الحافيتين الملوّنتين أيضاً، وقد استراح حذاؤه جانباً كعنصر حاضر من عناصر العمل التجهيزيّة الأخرى، وكذلك الأمر مع ما بدا من جسده كالوجه واليدين، فتحوّل كلّ الجسد إلى لوحة فنيّة.

أمّا لوحة "فيرمير" التي رسمها الفنان عام 1960، والمعروفة باسم "الفتاة صاحبة المِعجَر" (الثوب الذي تلفه المرأة حول استدارة رأسها)، والتي تضع قرطاً في أذنيها، فقد مثلتها بإتقان بالغ، الطالبة "أميرة دعبول" الواقفة قبالة نافذة مطلة على فان غوغ الجالس على كرسيه بنظراته التائهة إلى البعيد. تظنّ للوهلة الأولى أنك أمام لوحة فنيّة حقيقيّة قبل أن تكتشف ماهيتها، وتتعرّف إلى هويّة أجزائها وكتلها وناسها وحقيقة تنفيذها. قام الطالبان المذكوران بلعبة أدائيّة قصيرة حيث تقدّمت أميرة "فيرمير" بلباسها القديم باتجاه فان غوغ ليلبسها القرط في أذنها، وليقفان معاً بمثابة تحيّة للحضور، وللقول أنّ الأمر هو تجسيد إنسانيّ لهذين الكبيرين في الفن، بأن تحوّلت أعمالهما إلى لحم ودم بلغة العصر، حيث تمازج فيه التجهيز بفن الأداء وفن الجسد واللوحة التقليديّة لتشير هذه الرائعة إلى أهميّة المعهد ومستوى طلابه في عطائهم وطموحهم. جهد الطلاب في تحضير عدّة العمل وتنفيذه على مدى اسبوع كامل. يحار المرء أين ينظر ويُعجب، هل بطريقة التلوين على الحائطين اللذين شكلا زاوية للدلالة على غرفة فان غوغ الشهيرة، أم بالطاولة أمامه، أم بالمزهريّة المحاذية للباليت اللونيّ والريش، أم بالكرسيّ، أم بالحذائين، أم بالنافذة، أم بالأرضيّة (الباركيه) الملوّنة بطريقة فذة تغلبت عليها لعبة المنظور الهندسي، أم بالظلال المرسومة...

تسابق الجميع على التقاط الصور مع العمل، بشكل هستيريّ وغير مسبوق، عبر الكاميرات والهواتف المحمولة، فتحسّ كأنّ فان غوغ شخصيّاً حاضر مع سفيرة فيرمير، مع بعض التعديلات، وقد انتقلا عبر التاريخ إلى عصر التكنولوجيا ليُشاركا الحضور في هذا العرض الفنيّ، وكان هذا الشيء، مع بعض الحركات الأدائيّة الأخرى، جزءاً رئيساً من فكرة العمل الذي أخرجته مخيّلة ما بعد الحداثة من عقال التاريخ.

تحوّل هذا العمل وبسرعة كبيرة إلى مادة دسمة للمعجبين الكثر على صفحات التواصل الاجتماعيّ، وأظهر الفن التشكيليّ قدرته وقوّته الإيحائيّة على إثارة شغف متذوّقي الفن وجمهوره من خلال مادّة زرَعَ بذرتها يوماً ما في التاريخ فنان (نكرة) يُدعى "فان غوغ" إستهزأ به الجميع في أحد أزمنة هذا التاريخ الإنسانيّ والفنيّ، ولتتحوّل هذه البذرة إلى أيقونة تكبر مع الوقت، وتكبر معها حاجة الإنسان إلى عمالقة في الفن نذروا أنفسهم وقوداً ليتدفّأ غيرهم بحرارة ألوانهم، ويهنأ بقصص جنونهم ليكون للحياة معنى في زمن القحط الإنسانيّ، والأهمّ من كلّ ذلك، فقد صدح العمل بصوت عال، ليسمع الجميع، أننا، في هذا الوطن، ما زلنا بألف خير على صعيد العطاء الفنيّ والفكريّ رغم الموت القابع على أرواحنا وأجسادنا وتعبنا اليوميّ...دليلنا على ذلك قيام كلّ من المُتحفين العالمييَن، "مُتحف فان غوغ" في هولاندا، و"المُتحف الإيطالي للفنون المعاصرة" بتبنّي شريط الفيديو الذي يُمثّل هذا العمل الفني وذلك عبر وضعه على صفحة موقعيهما الالكتروني (الفيسبوك)، حصل هذا الشيء أيضاً على صفحات اليوتيوب، ومواقع إلكترونية أخرى عالميّة، فتخطى عدد المشاهدين حتى تاريخه ما يفوق الاثني عشر مليوناً، وهذا العدد مرشّح للتزايد.. لم يتوقف الأمر هنا، بل أنّ أحد المواقع الالكترونية الفرنسية تبنّت هذا العمل مدّعية أنّه من عمل فنانين فرنسيين! ممّا يدلّ على قوّة حضوره ونجاحه في الوسط التشكيلي العالمي. هنيئاً لمعهدنا ولجامعتنا بهذا الإنجاز الفني المميّز..

* البروفيسور يوسف غزاوي - معهد الفنون الجميلة - الجامعة اللبنانية

تعليقات:

    أصبحت التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وستكون من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.