الدكتور شكرالله كرم.. أربعون سنة على الرحيل

ولد شكرالله كرم في الخيام عام 1914، لعائلة متوسطة الحال، محبّة للعلم.

تعلم في مدارس القرية والقرى المجاورة حتى دخل الجامعة الأمريكية في بيروت فنال البكالوريوس علوم ثم حاز على شهادة الطب والجراحة...

خلال سني دراسته كان طالباً مجلياً، لم يصرفه انكبابه على العلم عن اهتماماته الوطنية والإنسانية، فمن نشاطاته في الجمعيات الطلابية والنوادي، وأولاها "العروة الوثقى" إلى معاناته الدائمة مع مرضى الجنوب حتى شده قدره للعمل بينهم بعد التخرج رغم مغريات العمل في المدينة أو البقاء في الجامعة.

وما هي إلا فترة وجيزة حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية وكانت منطقة مرجعيون إحدى ساحاتها فلم يبرح الطبيب الجراح "خيامه" بل بقي مع المرضى والجرحى والمصابين. وإلى جانب نشاطه الطبي كان الشهيد داعية سلام لا يفرق بين إنسان وآخر، مما دفع الجيوش الحليفة إهدائه أوسمة الخدمة الإنسانية في زمن الحرب، غير أنه اعتذر عن قبول هذه الأوسمة وطلب منحها لعائلتين من المعوزين علّ في مكافأتها المادية ما يسدّ بعض الحاجة.. وهكذا كان.

قبل عام 1943 حمل راية الخلاص من الأجنبي وبعدها حمل راية الخلاص من الإقطاع، ولم تسقط هذه الراية من يديه لحظةً حتى هوى نازفاً جريحاً فروى بدمائه الطاهرة أرض الجنوب الحبيبة.

عام 1947 ولما اندلعت حرب فلسطين حوّل بيته إلى مستشفى ميداني صغير وأخذ يعالج الجرحى ويقيتهم دون أي مقابل مهتماً في جميع النواحي الصحية والإجتماعية والإنسانية بالنازحين من عرب الحولة والجليل الذين هجروا بالإضافة إلى إلى اهتمامه وعنايته بالجنود السوريين المقيمين في الجنوب والمشاركين في القتال حيث نشأت هناك صداقة متينة بينه وبين الشهيد عدنان المالكي.

في مطلع الخمسينات، وفي أول انتخابات بلدية في لبنان، انتخب وهو المسيحي رئيساً على أكبر بلدية شيعية في جبل عامل، رغم تحالف الإقطاع ضده.

وخلال فترة وجيزة من الزمن شق الطرقات وفتح المدارس والمستوصفات وجعل يخطط للمستقبل. لم يرق ذلك لأعداء التقدم الذين سرعان ما قاموا يضعون العراقيل في طريقه، ولكن لا التهديد أثناه ولا الفساد من حوله ثبط من عزيمته، فقد صمم على المضي في العمل العام.

استقامته كانت كحد السيف فجنت له أعداء... ولكن أضعافهم من المحبين. وعناده في الحق أخاف الأشرار حيث كان قوة للمستضعفين الطيبين، كالصخرة كان. مع الناس في همومهم يشاركهم حملها وحلها ومعهم في كل مناحي حياتهم يفرح لنعيمهم ويأخذ بأيديهم في بؤسهم، يخفف الأتراح بظرفه ويهوّن الصعاب بنكتته.

قبل انتخابات 1957 خافوا من تأثيره فاعتقلوه اعتباطياً، ولكن الهياج الشعبي اضطرهم لأخلاء سبيله. قبل الإقتراع وفي غيابه افترش الناس أرض البيت وفسحته حتى عودته. ولما عاد كانت فرحة شعبية قلما شهدت مثلها الخيام.

لم يؤثر في عزيمته شيئ وهو الثائر على كل ظلم وباطل. ثورته عمل يومي لم تهدأ. في حرب 1967 توجه لجبل الشيخ لمساعدة جرحى الجيش السوري الذين دخلوا الأراضي اللبنانية.

طيلة الستينات وهو متطوع يوماً في الأسبوع للمعاينة المجانية في قرى جبل عامل. ولما افتتح مستوصف شعبي في الخيام، تبرع بالعمل فيه مجاناً يوماً آخر في الأسبوع. أما عيادته الخاصة فلم تكن لتختلف عن ذلك كثيراً، وطالما أمن الدواء مع المعاينة.

ولما اندلعت الحرب اللبنانية، كان يسعى دوماً للحفاظ على الوحدة الوطنية ورد النيران عن قرى الجنوب المحرومة. فقياماً بواجبه الإنساني ولئلا تشعر القليعة أنها في عزلة تبرع بيوم من أيام الأسبوع للمعاينة المجانية وشدّ ما تألم لما فتح الصهاينة الحدود لما أسموه الجدار الطيب. حزّ في نفسه أن يضطر جنوبي للعلاج الإسرائيلي. وحتى تبين للجنوبيين أنه علاج دعائي أكثر مما هو صحي كان يقف بسيارته أو سيارة الصليب الأحمر اللبناني قبالة الشريط، وهو في طريقه ألى قرى جبل عامل... الكثرة يأفلون خجلين... قلة تعدّ على الأصابع تقطع الحدود للعلاج... وأكثرها مضطراً، لتعود بخفي حنين وحقيقة العدو قد تكرست...

إتسعت رقعة الحرب في الجنوب، يغذيها العدو. فحاول الإبقاء على الخيام مسالمة. وهي القرية الأكبر والأفقر. لجأ إليها الآلاف بعد أن اشتعل حزام الفقر حول بيروت. وكان يحس أن الهجرة الثالثة لهؤلاء المساكين ستكون مميتة. وما سيحصل للأطفال والنساء والمرضى؟ ولكن من أشعل الحرب أرادها أن تبقى مشتعلة... لم يرد سلاماً عمل له الدكتور شكرالله.. ومن طمع في الجنوب أراده فارغاً. وهل أسهل من تهجير الناس إذا قتلت طبيبهم؟ وهو الطبيب الوحيد!

حاولوا قتله في كانون 1976، ولكن الطبيب سامحهم وغفر لهم كعادته، معتقداً أن العوز أجبرهم على بيع أنفسهم للشيطان. عادوا وهددوه قائلين أنه المطلوب وذلك يصعب عليهم، لما عليهم من أفضال. ضحك ضحكته المعهودة وأجاب: "لن تجرؤا. أنا هنا ولن أبرح إلا والخيام معي... سأظل طالما هناك طفل واحد يحتاجني!".

صبيحة 17 شباط 1977، والدنيا قد امتلأت برائحة البارود، افتعلوا الحوادث كي يخرجوا الخيام عن حيادها. واصطفت الدبابات متأهبة لدخولها، تحميها وتمهد لها المدافع من وراء الحدود، أخذ الفارون يهربون. كانوا يمرون عليه يوصونه بعائلاتهم وهو باق يضمد الجراح ويعود المصابين. في الثانية بعد الظهر دخلت الآليات الصهيونية الخيام وفيها عملاؤهم. وصلوا البيت وهو المقصود وأصلوه وابلاً من نيرانهم على اختلافها. أليست هذه غايتهم؟! أن يقتلوا "الحكيم" ويهدموا بيته فوق رأسه. فيتشرد الناس ويهجروا... لأن الحكيم... راح!

في تلك اللحظة وكعادته كان يؤدي واجبه الطبي وبين يديه أحد الجرحى من أبناء الخيام. انصبت النيران حاقدة مجنونة. سقط الحكيم في الخيام. وسقط الجريح بنفس الرصاصات التي قتلت الخيام... وارتفع شهيد.

الرسالة الأخيرة للدكتور شكرالله كرم

موضوع أسعد رشيدي: "طبـيـب الـفـقـــراء"

موضوع محمد حيدر: "الدكتور شكرالله كرم"

موضوع عزت رشيدي: "شكرالله كرم"

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.