لبنان ومخاطر الانزلاق إلى الفتنة


«يبدو الامر لدى البعض بالتسلح والاستعداد لمواجهة الشريك الاخر في وطن قيل فيه انه اكبر من ان يبلع واصغر من ان يقسم للتدليل على صعوبة ابتلاعه من قبل الطامعين به واستحالة تقسيمه لانه صغير في مساحته وعلى الرغم من ذلك فانه بلد مسكون بالقلق من الانفجار الداخلي في اية لحظة نتيجة التركيبة الفسيفسائية العجيبة التي تشكله وهناك مخاوف متزايدة من انه قد ينزلق الى الفتنة والمواجهات المسلحة مرة اخرى».

انه اذا كان الذاهبون الى معسكرات التدريب على السلاح في لبنان والتي انتشرت بشكل خطير في الآونة الاخيرة لايعرفون او لايدركون المدى الذي سيأخذون لبنان به في هذا العمل فتلك مصيبة، اما اذا كانوا يعرفون الى اين سيصلون بخطواتهم هذه فالمصيبة اعظم. انه الجنون بحد ذاته الذي دك ركائز الدولة والمجتمع. وفي لحظة تاريخية استجاب اللبنانيون لصوت العقل وبمساعدة عربية ودولية والتقوا فيما بينهم على اعتبار ماشهده لبنان من صراعات اهلية لن تتكرر. وبدأوا باعادة اعمار ما دمرته الحروب والاقتتال الداخلي لكن دون ان يغادروا رحاب الاحتراب الذي بقي وما يزال سيفا مصلطا على رقابهم ورقاب لبنان على خلفية الخوف من النفس على المصير والمستقبل ومع ضرورة الحفاظ على توازن الرعب الطائفي. ولذلك يبدو الامر لدى البعض بالتسلح والاستعداد لمواجهة الشريك الاخر في وطن قيل فيه انه اكبر من ان يبلع واصغر من ان يقسم للتدليل على صعوبة ابتلاعه من قبل الطامعين به واستحالة تقسيمه لانه صغير في مساحته وعلى الرغم من ذلك فانه بلد مسكون بالقلق من الانفجار الداخلي في أية لحظة نتيجة التركيبة الفسيفسائية العجيبة التي تشكله. وقد التقط مفكر لبناني معروف اشارة بالغة الخطورة وهو يقرأ تاريخ لبنان تقول ان هذا البلد لايعرف الهدوء الدائم لانه معرض للانفجار كل عقد من الزمن او اكثر. ويؤشر كلام شيحا الى وجود جمر تحت الرماد يتوهج حين يتم النفخ عليه اي حين ترتفع وتيرة الخلاف الداخلي والذي هو خلاف على قضايا استراتيجية تطال حاضر ومستقبل لبنان الكيان والوطن. ومهما يحاول اللبنانيون التلطي خلف اصبعهم عبر التشديد على متانة الوحدة الوطنية الا انهم يدركون مدى مجافاة الحقيقة والواقع في ذلك وبصريح العبارة فلا هناك وحدة وطنية وانما صيغة طائفية يتمترس فيها الجميع خلف مصلحتهم التي تتدرج من المصلحة الشخصية الى مصلحة الطائفة . ولذلك اصبح الكلام عن الوحدة الوطنية في لبنان مجرد اغنية تطرب لكنها واقعا لم تبن مدماكا واحدا. ولان الوضع في لبنان بهذه المأساة فان الكلام عن التسلح يدب الرعب في قلوب اللبنانيين وتقض ذاكرتهم مجددا اهوال وصور الاقتتال والتفجيرات وخطوط التماس والحواجز في الشوارع. واذا كان اتفاق الطائف في اواخر عام 1989 لجم الحرب الاهلية التي اشتعلت في عام 1975 فان تكرار مشهد وضع حد للصراع بالاتفاقات غير مرجح فلبنان ليس كما كان في ذلك العام لان الظروف التي سمحت بتلاقي اللبنانيين تغيرت وتبدلت فلم يعد هناك لاعب قوي في لبنان يستطيع تركيب معادلات وتسويات مع اخرين فالامريكي لم يعد بحاجة للسوري يعطيه في لبنان لكي يعطيه الاخير في التحالف الدولي ضد نظام صدام حسين فهو الان جار سوريا وفي قلب المنطقة وقد اخرج الجيش السوري من لبنان ويحاول احتواء دمشق وحملها على الانتظام في سياسته الشرق اوسطية، والسوري اصلا لم يعد لاعبا قويا في لبنان فهو بات الى حد ما ملحق باللاعب الايراني الذي يزداد حضورا على الساحة اللبنانية من خلال حزب الله على حساب الدور السوري. وطالما ان الحرب يطلقها طرف واحد فان الاتفاقات والتسويات تحتاج الى طرفين او اكثر احيانا وهذا غير متوفر الان على الساحة اللبنانية فهناك لاعبون لايملكون قرار الحسم وبالتالي هناك عجز عن ارساء حلول وهذا ما يبرهن عن نفسه في دوامة ازمة الاستحقاق الرئاسي الذي داهم موعده الدستوري ولم يبق سوى نحو ثلاثة اسابيع على انتهائه ومع ذلك فان كفة التشاؤم على عدم تمريره دستوريا ترجح على كفة التفاؤل على الرغم من المناخ السائد حاليا والذي يعطي جرعة تفاؤل بامكانية توصل اللبنانيين الى الاتفاق على رئيس. وبرأي رئيس الحكومة الاسبق سليم الحص ان المشكلة في لبنان حاليا ان اللبنانيين منقسمون الى معسكرين او في تعبير ادق هم في خندقين متواجهين فليس هناك من جسور وتواصل بينهم ولقاءات الحوار السابقة بين قادتهم زادت تعميق الشرخ حين اطيح بالمقررات التي تم الاتفاق عليها ولم يصل الحوار الى تقريب وجهات النظر المتباعدة حول القضايا الخلافية الساخنة على الساحة وفي مقدمتها سلاح حزب الله الذي ما يزال بعض اللبنانيين ينظرون اليه كمصدر تهديد داخلي على الرغم من ان الحزب وضعه ويضعه في اطار الصراع مع اسرائيل وينقل عن امين عام حزب الله حسن نصرالله قوله عندما اشعر ان سلاح حزب الله سيدخل في اي صراع لبناني لبناني سأستقيل واجلس في بيتي. وهذا عهد قطعته على نفسي بان تبقى وجهة السلاح باتجاه اسرائيل. لكن هناك من يقول ان السلاح مهما كانت هويته وخارج الشرعية اللبنانية يولد سلاحا نتيجة الواقع اللبناني . وتزداد الخطورة بكونه يهيأ للداخل اللبناني لتقسيمه مجددا عبر خطوط تماس بين الاحياء والمناطق وبين ابناء الشعب الواحد. والفجيعة ان الهرولة نحو التسلح ومعسكرات التدريب ليست من جهة حزبية او سياسية واحدة انما من قبل كل القوى والاحزاب وكأن الحرب واقعة ويلزمها فقط سماع لعلعة الرصاص وازيز القذائف. والحرب هذه المرة هي حرب بين العائلة الواحدة والطائفة الواحدة والمذهب الواحد هي حرب تفتيت لبنان بالمطلق لا تأمن من نارها المنطقة الجاثمة على برميل بارود. وما يجري الآن في لبنان هو انقلاب على الطائف ونسف لقرار مجلس الوزراء اللبناني في اوائل التسعينات الذي قضى بحل المليشيات وتسليم سلاحها للشرعية اللبنانية وقد استثنى سلاح حزب الله الذي هو سلاح مقاومة وليس مليشيا كما عرفته الحكومة اللبنانية. هذا المسلسل الشيطاني الذي بدأ يؤلف من جديد يعيد تلك الايام التي مد اللبنانيون أيديهم الى جهات عدة للتزود منها بالسلاح وكانت النتيجة دمار ونار ودخان غطت لبنان لعقود طويلة وتلطخت ايدي اللبنانيين بدماء بعضهم البعض. ومثلما يتأثر لبنان دائما بمحيطه يؤثر هو به بشكل سلبي. فسلام لبنان سلام المنطقة كلها وحربه حربها فكيف اذا كانت النار تشتعل في العراق وفي فلسطين ولا يلزمها في لبنان سوى عود ثقاب لتشعلها وتحرق فيه الاخضر واليابس مع الاشارة بحزن الى ان مساحة الاخضرار والحياة في هذا البلد تترك مكانها للازمات والمشاكل المتعددة التي تلعب دورا في توليد وانتاج بذور التوتر. وسط هذه الدوامة يقف اللبنانيون اليوم وهم في ذروة الاضطراب السياسي على مفترق طرق اما ان يتجاوزوا المحنة واما ان ينزلقوا في مهاوي التشرذم على وقع التنابذ والتفرقة. فالتسلح هو ايقاظ للفتنة النائمة التي تأكل الجميع بنارها التي خبرها اللبنانيون جيدا في مراحل سابقة. ومن الغريب انهم نسوا بسرعة ما عانوه وما قدموه من اثمان باهظة بشرا وحجرا ومؤسسات على الرغم من انهم يهابون حتى من ذكر الايام والسنين السود التي عاشها لبنان محتربا بين ابنائه بعدما لمسوا ان استقواء اللبناني على اللبناني هو استقواء على لبنان المفترض ان يكون بلد الجميع وان السلاح الداخلي هو سلاح تخريب وتدمير لبلاد دفعت وماتزال تدفع ضريبة الجغرافيا والموقع الاستراتيجي والتعددية السكانية.

* كاتب لبناني من الخيام

تعليقات: