في الذكرى الأربعين


بعد أيّام قليلة، "يحتفل" لبنان بالذكرى الأربعين لانطلاقة حرب عصفت فيه (ولا حزم ولا من يحزمون) وقد حملت تسميات مختلفة... حتى التسمية لم نتّفق عليها! رحم الله غسّان تويني مُؤْثِرًا القول إنها "حرب الآخرين" أو "من أجل الآخرين"... لا يهمّ. تفصيلٌ هو حَسَبُ هذه الحرب، وغيرُ مُجدٍ نَسَبُها. هي هجينةٌ أصلاً، لقيطة. وإذا كان اللبنانيون قد اختلفوا على جنس الملائكة في التسمية وعلى مُطلِق الشرارة الأولى ومسبّبها وعلى خط التماس والخط الوطني، إلاّ أن خط الثالث عشر من نيسان 1975 قد فصل فعلاً فيما بينهم وجعلهم يَقتلون ويُقتلون. لكل فريق شهداؤه وفي كل منزل صورة غائب أو مغيّب. في كل بيت نساء اتشحنَ بالسواد، وفي كل مدرسة طفلٌ نما يفتقد والدًا. في كل عائلة معوّق حرب، وفي خيمة الأهالي "أمهات الانتظار". في كل حارةٍ قصّة وفي كل ذاكرةٍ غصّة...

في العام 2001، نظّمت أمل مكارم وآخرون مؤتمرًا دوليًّا في الإسكوا في بيروت تحت عنوان "ذاكرة للغد". كأنّما عملية تذكّر الماضي هي فعلُ بناءٍ للمستقبل، بل كأنما الحقّ في النسيان يقابله حقّ في التذكّر، أو لربّما واجبُ التذكّر!

في الذكرى الأربعين، نطوي الصفحة، وإنما بعد أن نكون قد أكملنا قراءتها. نقرأ في كتاب الذاكرة أن حربًا ضروسًا مرّت من هنا. حصدت خيرة شبابنا. جرفت معها جزءًا من تاريخنا. أثقلت كواهل وعوائل. قصفت أحلامًا وبدّدت طموحًا. حجّمت دور لبنان الرائد ليصبح في مصاف الدول الفاشلة... هذه كلّها مشتركات لم تقتصر على لبنانيٍّ دون آخر. نتائج حربنا مشتركة. مآسيها مشتركة. كذلك هم أيضا ضحاياها. أما كيف بدأت ومن بدأها، فعمل المؤرّخين إن نجحوا يومًا في اختراق جدار الحقيقة النسبية. أما عمل الذاكرة الخلاصية، فمهمّة وطنية، حسبُها أن الضحية تبقى ضحية، من أينما أتت وكيفما سقطت.

13 نيسان هو أن نتذكّر، إذا شئتم، بطولات من سقطوا في الساحات من أجل قضية ما، يعتقدون أنها تستحقّ الشهادة. لكن 13 نيسان هو أيضا أن نتذكّر غباء أفعالنا الطائشة وعبثية حروبنا الصغيرة واستسهال اغتيال السلام، سلام الناس في أمنهم، وهو حقّ لهم على الدولة، ولو أن الأخيرة تعرّضت أيضا لمحاولات اغتيال متكرّرة.

ماذا فعلنا منذ انتهاء الحرب المفترض عام 1990؟ قدّمنا للّبنانيين واللّبنانيات قانون عفو عام برّأ الجلاّد وسَجَنَ الضحية في زاوية القبول بالتسوية؟ أتحفناهم بعدالة بقيت انتقائية بدل أن تكون انتقالية؟ أين متحف ذاكرة الحرب يُخبر من لم يعرفها من أولادنا ماذا اقترف الآباء والأجداد؟ أين الهيئة الوطنية للمصالحة؟ ماذا تعلّمنا؟! "التاريخ يعيد ذاته"، على ما يكرّره كثيرون، وقد أضاف أحدهم بصورة معبّرة فعلا، قائلاً: "عند الشعوب الغبيّة فقط"!

لسنا شعبًا غبيًّا، ولكنّ ذاكرتنا تستنسب أحيانًا، فتخون. والخيانة هنا جريمة متمادية بحقّ أجيال لم تعرف الحرب، لكنها قد تقع فيها مجدّدًا، كما الأسلاف، على وقع الأغاني الحماسية وقصص "حكواتية". أما المسؤولية عن خيانة الذاكرة، فعلى الدولة تقع أوّلاً، لأنها قبل سواها مؤتمنة على الأيام الآتية. السلم والسلام ينبتان في تربة تُغذّى تحصينًا، وعندها، نخوض ما شئتم من الحروب مع أعداء الخارج، بشراسة ومن دون هوادة، وبيتنا الداخلي قلعة.

في الذكرى الأربعين، والزمن زمن قيامة، نطوي الصفحة ولكن بعد أن نكون قد أكملنا قراءتها... للعبرة...


تعليقات: