محال «الستوك»: خليط من البضائع والطبقات

يدخل محال \
يدخل محال \"الستوك\" خليط من الطبقات والفئات الاجتماعية (عباس سلمان)


محال «الستوك»: مزيد من التنازل في نمط الاستهلاك

هي مؤشر آخر على تحول نمط الاستهلاك اللبناني، نحو مزيد من التنازلات، من أجل المزيد من التوفير. إنها محال «الستوك» التي تنتشر في بيروت ومناطق عدة، «بايزك»، «غلوبال»، «إيجنسي»، «ستوك أميركي»، «سويدي» و«ألماني».. تبيع خليطاً من البضائع داخل كل واحد منها، ملابس وبياضات وأحذية وأدوات منزلية، وأحياناً أثاث منزلي، أي كل ما يتوفر استيراده. وقد تكون الملابس والأحذية للنساء والرجال والأطفال معاً، بينما تنتشر إلى جانبها محال خاصة بالأدوات المنزلية والكهربائية: برادات، غسالات، أجهزة غاز، مكاوي، خلاطات، سيشوارات، «بيبي ليس» وغيرها. وبين الفئتين، يبدو مثيراً للسخرية إصرار أصحاب ماركات عالمية محددة على بيع البضائع المتبقية لديهم في محال خاصة بالماركة فقط، لأنهم يرفضون خلطها مع بضائع أخرى، خوفاً على «السمعة الرفيعة».

ومثل الخليط في البضائع، يدخل المحال خليط من الطبقات والفئات الاجتماعية. يطمح متوسط الحال أو فقيره في الحصول على قطعة جيدة، بينما يطمع الغني بالحصول على القطعة نفسها بسعر أدنى مما هي عليه في المحال التي تبيع ماركات معروفة. ويروي البائعون هنا وهم يضحكون حكايات عن نساء ميسورات يدعين أنهن يشترين ملابس وأحذية للخادمات، أو لمعارف على «قد الحال»، ثم يقسن الملابس على أجسادهن، من دون الأخذ بالاعتبار أن البائع يعرف حركاتهن ومقاصدهن.

سبعون في المئة

تقول بائعة في محال «بايزك» إنه توجد زاوية مخصصة للماركات الأميركية الشهيرة. فمثلا تباع جاكيت كشمير في بداية موسمها بتسعمئة ألف ليرة، وبعد أن تتحول إلى «ستوك» تصبح بثلاثمئة ألف ليرة. وتباع الحقيبة النسائية من ماركة «مايكل كورس» بتسعمئة دولار، وتصبح بثلاثمئة ألف ليرة، بعد تعرضها لجرح في الجلد، أو تغير لونها في زاوية ما بسبب الرطوبة أو التخزين. وتباع حقيبة من ماركة «كوتش» بمئة وعشرين ألف ليرة، لأنها من موديل العام الماضي. وفي الزاوية أيضاً ملابس نسائية داخلية بأسعار مرتفعة.

لا يتوفر من تلك البضائع غالباً سوى قطعة واحدة، فتهبط أسعارها كثيراً. أما بالنسبة إلى باقي البضائع، فتوضح البائعة في محال «بايزك» أن انخفاض الأسعار يصل إلى سبعين في المئة. بينما يقول مسؤول في محال «غلوبال» إن الأسعار تنخفض إلى ثلاثين في المئة من سعرها الأصلي. ويوضح أحد العاملين في محال «براند فور لاس» أن الانخفاض يعود إلى مستوى جودة كل قطعة في بلد المنشأ.

وهناك محال تبيع أكثر من غيرها، فمثلاً لدى «براند فور لاس» كونتينر في مرفأ بيروت، ينقل منه البضائع إلى فروعه يومياً، بينما تنقل محال «بايزك» البضائع مرتين في الأسبوع. ولم يرغب المسؤول في محال «غلوبال» في ذكر عدد المرات التي ينقل فيها البضائع.

ومع انتشارها، أخذ أصحاب بعض المحال يضعون الإعلانات الخاصة بها، أو يصدرون بيانات مضادة للتزوير، مثل البيان الموجه من إحدى الشركات إلى التجار، وفيه: إلى السادة التجار، نحن الشركة الوحيدة المصدرة في الدانمارك والسويد بعقد احتكار للشرق الأوسط ومصر وليس لنا شركاء أو وكلاء.

وفي حين تتولى بعض المحال تصليح جميع القطع التي تقع فيها أخطاء في الخياطة أو تتعرض للتمزق قبل بيعها، مثل محال «بايزك»، فإن محال أخرى مثل «غلوبال»، لا تقوم بتلك المهمة، إنما تخفض السعر حسب الخطأ. لكن غالبية الزبائن لا يعرفون سبب ارتفاع أسعار بعض البضائع، ولا مسألة التصليحات. فقد أبدت نساء عديدات استغرابهن لارتفاع أسعار قطع أعجبتهن بعد قياسها، لأنهن يعتقدن أن محل «الستوك»، يعني أسعارا رخيصة، بينما تقول السيدة وفاء إنها تجيد الخياطة، وتقصد محال «الستوك» بحثاً عن بضائع تمتاز بخياطة جيدة ومتينة، من دون اهتمامها بالماركة.

الأوروبي إلى الخلفية

في الملابس والأحذية، استبدل الأوروبي الجديد بالمستعمل «البالة»، ثم استبدل المستعمل، بـ«الستوك» الأميركي. «لقد تطورت الفكرة وتغيرت»، يقول المسؤول في محال «غلوبال»، لكن فعلياً سيطرت البضائع الأميركية على السوق.

يوضح المسؤول أن الفكرة السائدة في أذهان الناس أن البضائع الأوروبية هي الأفضل، تعود لاعتيادهم عليها تاريخياً. وغالبية الماركات الأميركية المعروفة في العالم لا تزال غير معروفة في لبنان. لكن الأنظار اتجهت إلى الولايات المتحدة (لا سيما مع ارتفاع سعر اليورو) بوصفها دولة كبرى ولديها إنتاج كبير، هناك محال يعمل فيها عشرة آلاف موظف في مختلف الفروع، ويتوفر بنطال التجينز أو التنورة لكل الناس.

ولأن البضائع الأميركية تنتج بكميات كبيرة، يبقى منها أيضاً كميات كبيرة، فيعتقد الناس أنها كاسدة في موطنها وتباع لهم. لكن الحقيقة أنه قد يكون لدى أحد التجار ألف ثوب نسائي يبيع منها ثمانمئة، ويبقى مئتا ثوب فتتحول إلى «ستوك». ويقول إنه يوجد مصممي أزياء في الولايات المتحدة يرفضون بيع أزيائهم مباشرة إلى دول الشرق الأوسط لأنهم يعتبرونها بلاداً متخلفة، فتباع بضائعهم إلى محال «ستوك» داخل الولايات المتحدة، ثم تبيع تلك المحال البضائع إلى الشرق الأوسط، عبر تجار المنطقة، وبينهم تجار لبنانيون يشترونها من داخل السوق الأميركية. ويوجد مصممو أزياء يرفضون أصلاً تحويل أزيائهم إلى «ستوك» حتى لو بقيت من دون بيع.

يعتبر المسؤول أنه لم يعد لـ«الستوك» الإيطالي والفرنسي سوق لبنانية، لأن البضائع الباقية غير كافية للتصدير بأسعار رخيصة، ولا تناسب الأزياء الايطالية والفرنسية جميع الفئات، بينما تقوم المحال التي تبيع بكميات كبرى بتصفية بضائعها داخل محالها.

وتشبه بريطانيا الولايات المتحدة بنسبة أقل. أما ألمانيا فتصدر ماركات محددة. وفي هذا الاطار، يعتقد زبائن محال «براند فور لاس» أنها تبيع بضائع المانية، لكنها في الحقيقة تبيع ماركة «تي سي إم» الألمانية ومتفرقات. أما غالبية البضائع فهي من الولايات المتحدة للأسباب المذكورة أعلاه.

الأدوات الكهربائية

في الأدوات الكهربائية، لا تزال أوروبا على لائحة المبيعات، يقول علي البائع في أحد المحال على طريق صيدا القديمة إن صاحب المحل يستورد البضائع من بريطانيا، لكن ليس بالضرورة أن تكون جميعها بريطانية، وإنما يستوردها تجار بريطانيون من بلدان أخرى، ثم يبيعونها لنا. يبلغ ثمن غسالة «الهوفر» البريطانية ألفا ومئتي دولار، ويبيعها علي بستمئة دولار لأنها موديل العام 2012. ويبيع غسالة أخرى من الماركة نفسها بخمسمئة دولار لأنها تعرضت لجرح عند قاعدتها، ويبيع براد «الهوفر» اربعمئة دولار، وانخفض سعر جهاز الغاز من ماركة «اليغانس» من ألف دولار إلى ثلاثمئة وخمسة وأربعين دولاراً.

كذلك انخفض سعر مكواة من ماركة «بوش» من مئة دولار إلى خمسين دولاراً، وثمن الخلاط من مئتي دولار إلى ثلاثين دولاراً. ويقول علي إنه يمكن إعادة طلاء الغسالة في حال تعرضت لجرح، وبيعها في موطنها الأصلي، لكنهم لا يعتمدون تلك الطريقة، فهم يبيعون ماركات عالمية، وبكميات كبيرة، ولا يهمهم كسب مجموعة غسالات أو برادات إضافية، خاصة في ظل توفر سوق أخرى لبيعها.

وسمة الأدوات الكهربائية أنها خاصة بمناطق محددة، وتباع فيه البضائع نفسها. بينما توجد فروق في نوعية الملابس بين منطقة وأخرى. فبضائع محل في الروشة تختلف بنسبة كبرى عن بضائع محل في الضواحي. في الروشة يسكن الميسورون، وينجبون عدداً أقل من الأطفال، وفي الضواحي يعيش الفقراء ومتوسطو الحال، وينجبون عدداً أولاد أكبر من الأطفال، يريدون شراء الملابس والأحذية لهم. فإذا كان سعر السترة مثلاً مئة ألف ليرة، لا يناسبهم شراء خمس سترات بخمسئة ألف ليرة. بينما يمكن شراء أداة كهربائية واحدة للمنزل من كل نوع.

يدخل محال \
يدخل محال \"الستوك\" خليط من الطبقات والفئات الاجتماعية (عباس سلمان)


يدخل محال \
يدخل محال \"الستوك\" خليط من الطبقات والفئات الاجتماعية (عباس سلمان)


تعليقات: