اللقيس والمبحوح مشروعٌ مشترك وقاتلٌ واحد‎

اللقيس والمبحوح مشروعٌ مشترك وقاتلٌ واحد‎
اللقيس والمبحوح مشروعٌ مشترك وقاتلٌ واحد‎


لم تلقَ قضية اغتيال المقاوم اللبناني الشهيد حسان اللقيس الاهتمام الكافي، والتقدير اللافت، الذي يليق بقضيته، ويستحقه كمقاومٍ شريف، كما حظيت باهتمامٍ كبير قضيةُ اغتيال المقاوم الفلسطيني الشهيد محمود المبحوح، الذي اغتالته فرقةٌ أمنيةٌ إسرائيلية كبيرة في العام 2010 في أحد فنادق دبي، رغم أن كلا الرجلين يعملان في مجال المقاومة، وكلاهما كان مبدعاً في عمله، ومغواراً في مقاومته، وشجاعاً في مواجهته، وصلباً في تحديه للعدو الصهيوني، وقد قدما للمقاومة الكثير، ونافحا عن شعبهما بما استطاعا، وقدما لأمتهما ما يدفعها للافتخار بهما، والاعتزاز بمقاومتهما، وقد كانا مثالاً في الجندية المجهولة، والعطاء الخفي، فكانا بعيدين عن الأنظار، لا يحبان الشهرة والذيوع، ولا يسعيان للظهور أمام وسائل الإعلام، أو انتظار الشكر والامتنان، أو التقدير والعرفان.

الشهيدان المبحوح واللقيس، بطلان مقاومان، عملا في مشروعٍ واحد،ٍ وسعيا لهدفٍ مشترك، وقاتلُهما واحدٌ، ومدبرُ اغتيالهما جهةٌ واحدة، والتي اتخذت قرار اغتيالهما هي الحكومة الإسرائيلية لا غير، وهي التي كلفت أجهزتها الأمنية بتصفيتهما، والقضاء عليهما، لأنهما قد أوجعا الكيان الصهيوني، وأضرا به، وألحقا به خسائر حقيقية، ونجحا في النهوض بالمقاومة، والارتقاء بالعمل، وتحصينه بما ينبغي ويلزم.

وإن كان الشهيد الأول قد برع في التسليح والإسناد، فإن الثاني قد نبغ في المقاومة الإلكترونية، التي هي عنوان المقاومة الجديدة، ومجالها الرحب، وفضاءها المفتوح، وفيها حققت المقاومة أعظم الانتصارات، فاخترقت الأنظمة المعقدة، والحواسيب الحديثة، وفككت شيفرات الرسائل، ودخلت على أنظمة الاتصال، وتمكنت من معرفة عناوين كبار الشخصيات الإسرائيلية، وتنصتت على مكالماتهم، وعرفت أسرارهم، وسحبت صورهم، ونقلت ذواكر هواتفهم وحواسيبهم، كما استطاعت اعتراض اشارات الطيران الحربي، وعرفت خططه، ودخلت على خرائطه.

لا أحد يستفيد من قتلهما سوى العدو الصهيوني، الذي يعرف حقيقة دورهما، وعظم مهامهما، ويدرك قدرتهما على إيذائه، وإلحاق أبلغ الخسائر في جبهاته المختلفة، وهو يعرف أنهما قد عملا الكثير لوطنهما، وقدما أكثر لشعبهما، وكانا في مجالهما رائدين حقيقيين، لهذا فإن قاتلهما واحدٌ أياً كانت الأداة المستخدمة، أو الوسيلة المتبعة.

ولا يجدي إنكار أطرافٌ من الحكومة الإسرائيلية مسؤولية الكيان عن قتلهما، وستثبت الأيام أن الذي قتل المبحوح هو الذي قتل اللقيس، ولكن الكيان الصهيوني عودنا على عدم الاعتراف بعملياته، أو الكشف عن تفاصيلها إلا بعد سنواتٍ طويلة، ولكن إنكاره لا يعني براءته، ولا ينبغي أن تنطلي علينا ألاعيبه وخدعه.

فهو اليوم يخاف من ردات الفعل، ويخشى من عمليات الانتقام، ولا يريد أن يعيش مواطنوه في سفرهم، وأثناء رحلاتهم في خوفٍ شديد، وقلقٍ دائم، من إمكانية قيام المقاومة بالانتقام لشهدائها، وهو الذي يعرف أن المقاومة صادقة ولا تكذب، وأنها إن وعدت فإنها تفي بوعودها، وإن هددت فإنها تنفذ تهديداتها، وهي تحفظ أبناءها، وتصون مقاوميها، ولا تنام على مظالمهم، ولا تسكت على اغتيالهم، بل إنها تعد وتخطط، وتجهز وتتهيأ، ليومٍ ترد فيه على الكيان الصهيوني، وتعلمه أن المقاومة أبداً لا تسكت على مقتل رجالها، ولا اغتيال قادتها، ولهذا فإن الحكومة الإسرائيلية باتت اليوم مذعورةً خائفة، تخشى أن يطالها الرد، وأن يصل إلى مواطنيها حدة الانتقام وشدته.

ينبغي على قوى المقاومة أن تعي أن المعركة مع الكيان الصهيوني مفتوحةٌ ومتواصلة، وأنه لن يتوقف عن عملياته ضد رجال المقاومة، وثأره معها قديمٌ وطويل، وهو ما زال يعمل في بلادنا العربية، وحيث توجد المقاومة، يزرع عملاءه، ويبث عيونه، وينصب أجهزته، يجمع المعلومات، ويسجل ويدون، ويراقب ويتقصى، حتى إذا أتيحت له الفرصة فإنه يقدم على تنفيذها ولا يتردد.

ولكن العدو الصهيوني يخطأ كثيراً عندما يعتقد أن المقاومة ستنهار إن قتل أحد قادتها، أو غاب أحد مؤسيسها، وكأن المقاومة حالة فردية، وسلوكاً شخصياً، وما علموا أن المقاومة فينا أصل، والكرامة عندنا شيمةٌ وخلق، والشرف والعزة فينا إرثٌ نتوارثه، وعقائدٌ نتمسك بها، ونحافظ عليها.

لكن على قيادة المقاومة أن تدرك أن التقصير في الرد، والتأخر في الانتقام، يغري الإسرائيليين أكثر، ويطمئنهم أن المقاومة باتت عاجزة عن الرد، وأنها أصبحت تتلقى الضربات وتعدها، وتعلن فقط أنها تحتفظ بحق الرد، في المكان والزمان المناسبين.

إن تأخر الرد أو امتناعه، بعد سيل التهديدات التي صدرت، إثر اغتيال الشهيد عماد مغنية ومحمود المبحوح ومن قبل فتحي الشقاقي، يفجع جمهور المقاومة ويحزنها، ويصيبها بالألم، ويزيد من احساسها بالضعف والمهانة، رغم أنه يعرف أن المقاومة قادرة على الرد، وأنها تملك القدرة على التعامل مع أي هدف، وأنها قادرة على الوصول إلى أبعدِ مكانٍ يظنه العدو أنه آمنٌ، ويستبعد وصول المقاومة إليه.

ولعل الحكومة الإسرائيلية أكثر من يعرف هذه الحقيقة ويعيها، فقد باتت تتحسب اليوم من الرد، وتخاف من ردةِ الفعل، وقد أصدرت أجهزتها الأمنية تعليماتها إلى مختلف سفاراتهم وممثلياتهم في الخارج، لأخذ الحيطة والحذر، كما نبهت مواطنيها المسافرين في كل مكان، إلى خطورة الأوضاع، وزيادة احتمالات انتقام المقاومة.

لهذا فإن على قيادة المقاومة التي عودتنا الصدق دائماً، وبتنا نؤمن بوفائها، أن تعجل بالإنتقام، وأن تسرع بالرد، كي تشفي قلوب مناصريها، وتنتقم لدماء مقاتليها، وتدمي قلوب الإسرائيليين الذين يظنون أنهم فقط يَقتلون ولا يُقتلون، وأنهم يَغتالون ولا يُغتالون، وأنهم يملكون القدرة على إيذاء الآخرين، بينما غيرهم يعجز عن الوصول إليهم، فلا تشمتوا العدو فينا، ولا تجعلوه يرقص على جراحنا، ولا يحتفل فوق دمائنا، ولا يشرب نخب الانتصار علينا، ولا تسمحوا له أن يضحك طويلاً، ويتهكم بنا كثيراً، بل عجلوا ببكائه، وسرعوا بنحيب نسائه، وانهيار رجاله.

تعليقات: