دبس العنب.. مسامير الركب

دبس العنب.. مسامير الركب
دبس العنب.. مسامير الركب


دخلت معاصر دبس العنب في راشيا عصرها الفضي هذا العام مقارنة بالاعوام الخمسة السابقة من حيث ارتفاع منتوجها وازدياد روادها من اصحاب الكروم والعرائش ومزارعي الكرمة في عشرات قرى راشيا وحاصبيا والبقاع الغربي، بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في سعر تلك المادة، على الرغم من ان اسعار العنب لا تزال مقبولة نسبياً بحسب عضو نقابة مزارعي العنب في لبنان كمال السيقلي الذي يصف عنب سهل مرج كفرمشكي بـ"ذهب لبنان" كونه يشكل المصدر الرئيسي لمعيشة عشرات العائلات من ابناء بلدة كفرمشكي، بينما يصنع دبس العنب فيتم تصدير قسم منه الى ابناء البلدة المقيمين في كندا، لافتاً الى أن صناعة الدبس قديمة في معظم قرى راشيا ورثها الآباء عن الاجداد والابناء عن آبائهم، لكن كروم العنب باتت عرائش منتصبة ومنتظمة مع دخول انواع جديدة من العنب الى بساتين راشيا لا سيما سهل كفرمشكي الذي يعد من اكبر سهول العنب في لبنان ومن أجود الانواع، كونه يخضع لعناية دائمة في معظم فصول السنة مع الاستفادة من كل جديد في هذا القطاع الزراعي الحيوي الذي يشهد نقلة نوعية في الطلب عليه، رغم تعرض معظم الانتاج اللبناني الى الكساد احياناً نتيجة الاوضاع الامنية والاحداث المؤلمة في سوريا، الأمر الذي يدفع بعشرات المزارعين الى تصنيع العنب دبساً لا سيما الابيض منه، فيتكبد المزارع عناء القطف والنقل والتصنيع، في حين أن سوق التصريف تخضع أحياناً لمعوقات كثيرة، لكن دبس كفرمشكي له وجهته المعروفة وهو مطلوب لارتفاع مستوى جودته وتوضيبه وطريقة تصديره، لكن واجب الدولة أن تقف الى جانب المزارع وتؤمن اسواق التصريف، اذ لفت الى ان أسعار العنب ليست على ما يرام هذا العام حيث تستقطب برادات التبريد القسم الاكبر من الانتاج ريثما يتأمن سوق التصدير الى الخارج.

معاصر راشانية

معاصر الدبس في القضاء باتت خصيصة راشانية يقصدها من "يعرف طعمة فمه" على حد تعبير بهاء ابراهيم القضماني الذي كان يتابع سير العمل في معصرة راشيا الحديثة عند مدخل البلدة، لافتاً الى أن العام الحالي جيد والانتاج نظيف والاسعار مقبولة، والاهالي فضلوا تحويل منتوج العنب الى دبس نظراً للصعوبات التي تواجه عمليات التصدير لا سيما الى الخارج، فضلاً عن الكلفة الباهظة لعمليات التبريد او التصريف في السوق المحلي.

ويشير القضماني الى أن دبس راشيا غزا السوق المحلي نظراً لجودته والامتيازات التي حققها خاصة في السنوات العشر الاخيرة بعد التطور التقني الذي رفع من نسبة الجودة واستفاد من الخبرات العلمية وعمليات التحويل والحفظ والتخزين والتصدير، وسحب الشوائب منه، فبات ركيزة اقتصادية يقصدها كبار التجار وأصحاب المطاعم والمحلات الكبرى والمصدرين الى الخارج اضافة الى اصحاب معامل الحلويات في لبنان.

وربط القضماني ارتفاع كلفة التصنيع بارتفاع أسعار مادة المازوت وأجرة العمال والأعباء التي يتكبدها المزارع خلال عملية جني المحصول وما يسبق ذلك من حراثة وري وعناية.

أما لجهة التسويق فقد أكد أن "التسويق يتم في السوق اللبنانية المحلية أو في أسواق الخليج العربي عن طريق مؤسسات للتوزيع، بحيث يتراوح سعر الكلغ الواحد من سبعة الى ثمانية آلاف ليرة لبنانية، كما يتراوح الإنتاج السنوي في منطقة راشيا من مادة الدبس بين 500 و550 قنطاراً، وتعمل في هذه الصناعة التحويلية أربع معاصر حديثة وبعض المعاصر التقليدية".

ويوضح "أن جميع أنواع العنب يمكن تحويلها الى دبس، لكن أميزها هو الدبس المستخرج من العنب "الشموطي" و"السرعيني"، بينما عنب الدوالي يتم حفظه في البرادات، ليصدر الى الخارج أو يسوق في الداخل".

وقال:" راشيا باتت متخصصة بهذه الصناعة التحويلية، التي تعد باب رزق لعشرات العائلات التي تعمل في الموسم إضافة الى جودة المنتج والثقة اللبنانية والمحلية به، لا سيما بعد اختباره على مدى سنوات، متوقعاً أن يشهد هذا القطاع تطوراً جديداً، داعياً الدولة الى "دعم هذا القطاع واحتضانه، لا سيما انه يتركز في نطاق جغرافي يسمح بتخصيص هذا القطاع بالدعم المطلوب لضمان استمراره".

ومع دخول الصناعات التحويلية مرحلة جديدة من التطور والتحديث شهدت صناعة دبس العنب انتقالاً نوعياً في هذه الحرفة الزراعية فأخلت أقدام البشر المستخدمة لسحل عناقيد العنب وسحب عصيرها مكانها ودورها للمكبس الكهربائي الآلي، وأحيلت الخزانات المجوفة في الصخر على التقاعد لتصبح الخزانات المصنوعة من الستنلس ومن الحديد المزيبق الوريث الموضوعي لها. وحضرت آلة الضغط لعصر "الجمجول" لتكون البديل التقني لأثقال الإسطوانات الحجرية. واستعيض عن الحطب بمادة المازوت. واستغني عن رزم أغصان جبجوب البطم بالعجانة الكهربائية.

معصرة الذكريات

ودبس منطقة راشيا بحسب المغترب الى كندا هايل اشتي، استمر محافظاً على جودته العالية، ما أكسبه موقعاً متقدماً في السوق المحلية وفي أسواق الخليج وفي كندا والبرازيل، فضلاً عن تصدره موائد العائلات التي تجد فيه فوائد صحية وغذائية كبيرة، إضافة إلى قدرته على إعطاء البشرة نضارة ويناعة وجمالاً وفعاليته في تنقية الدم وفي تنشيط الأعصاب، وتنمية الخلايا، ناهيك عن مذاقه وطعمه اللذيذ، وتعدّد أوجه استعماله في أكله طازجاً أو في صناعة الحلويات والمربيات. مشيراً الى تقهقر معاصر الدبس القديمة التي كانت موجودة في كل قرية، لافتاً الى وجود ثلاث معاصر قديمة في بلدته ينطا، اصبحت أطلالاً وبقايا من الذاكرة حيث كان موسم الدبس محطة مضيئة ومشرقة في ذاكرة القرى اذ يروي الكثير من الحكايات التي كانت تروى إبان عصر العنب وغليه والفزعة التي كانت نعمة ريفية، والسهر حتى الفجر حول الخلقين ولا ينسى طعم المأكولات القروية وجمر المواقد وزيارات الاقارب في هذا الشهر والمونة.

وينعش اشتي خياله الاسترجاعي بقصص طالما شغلت القرويين في ذلك الزمن، معتبراً ان طيف تلك الايام لا يزال يشده بحنين دفين الى ستينات القرن الماضي قبل أن يسافر الى كندا وكأن معالم المكان باتت جزءاً من مخيلته وذاكرته وشريطاً لا يمحى لكن التحول فرض حضوره ولا شيء يقف في وجه التطور، في وقت أسف لتراجع زراعة العنب في بلدته ومحيطها، وتحول الكثير من الأراضي الى بوار.

تحديث المعاصر

الشيخ (أبو رشاد) حسيب أبو حجيلي الذي كان مشغولاً بالاشراف على المرحلة الاخيرة من انهاء"نزل" الدبس في معصرته الحديثة على طريق راشيا شبعا أشار الى انه يمتهن هذه الحرفة منذ اكثر من ثلاثين عاماً يوم كان يساعد والده حين كانت المعصرة قديمة وحجرية، ومع التطور الذي طرأ على الصناعات اللبنانية بدأنا نطور معصرة العنب فقمنا بتحديثها كهربائياً، ولكن الحداثة تمثلت في تحويل المعصرة للعمل على البخار الذي يصل مباشرة إلى الأواني التي تستوعب عصير العنب، وأوضح أنه بعد اكتمال نضوج العنب، يتم تحويلها الى أكوام، ومن ثم عصرها عبر آلة معدنية تعمل على الطاقة الكهربائية، تم تصنيعها محلياً في راشيا، مشيراً الى ان هذه الآلة رفعت منسوب العصير، وخففت من الكلفة والجهد واجرة العمال.

الشيخ ابو حجيلي يشير الى أنه بعد الانتهاء من سحل العناقيد، يتسرب العصير عبر قنوات وفتحات الى خزانات مصنوعة من مادة "الستنلس"، أو من الحديد المزيبق، بدل الخزانات المجوفة في الصخر، ثم نترك العصير لمدة ثماني ساعات، مرفقاً بتربة كلسية بيضاء اللون تعرف بإسم "الحوارة" أو "الصلصال" وهي مادة أساسية في هذه الصناعة كونها تسحب الحموضة من العنب وتساعد على تنقية العصير وتصفيته حيث تعلق فيها الرواسب لترسو في قعر الخزان، وتحتوي على مادة كلسية، وتتواجد هذه الأتربة في جبل المحيدثة وكوكبا وكفرمشكي، وهي فترة زمنية كافية ليصبح العصير صافياً وخالياً من الرواسب التي تتجمع في قعر الخزانات، ثم نقوم بتجميع "الجمجول"، (أي ما هو معروف ببقايا العناقيد المسحولة)، ونكدسها تحت آلة ضغط، تسمى "المكبس"، بدلاً من تكديسها تحت أثقال الإسطوانات الحجرية، كي نسحب ما تبقى من عصير، وبذلك إفادة لنا ولأصحاب الكروم.

ويتابع ابو حجيلي: "بعد هذه العملية ننقل العصير الى "الخلقين" المصنوعة من النحاس، ونبدأ بغليه لمدة تتراوح بين الساعة والساعة و15 دقيقة، على درجة حرارة تتراوح بين 130 و140 درجة، بعدما استعضنا عن الحطب بمادة المازوت، ولفت الى أن عملية "الغلي" تتطلب مهنية عالية خوفاً من احتراق الدبس. وبهذه الحالة يتحمل صاحب المعصرة المسؤولية كاملة، بحيث لا تحتمل أي خطأ لذا قمنا بتحديث المعصرة لتعمل على البخار بهدوء وهي أول معصرة بخارية في لبنان". ويضيف: "خلال عملية الغلي، نسحب "العكر" الذي يطفو على وجه "الخلقين" بواسطة مشلاة بيضاوية الشكل تتوزعها الثقوب التي يتسرب منها السائل النظيف وتحتاج مراقبة الخلقين إلى مهنية عالية وتركيز كبير، وقدرة على تحسس النضج من النظر أو من خلال تحول المادة المغلية الى مادة شديدة اللزوجة، ولكننا نستخدم اليوم مجهراً فاحصاً، توضع عليه المادة المغلية، وعندما تصل الرطوبة إلى نسبة 20% تكون الكثافة 80% نعلم أن الدبس قد نضج وأصبح معداً لينقل الى برادات خاصة، ويصبح جاهزاً للتسليم الى أصحابه.

أما شريكه في المعصرة الشيخ "أبو دانيال" نبيه القضماني فأشار الى أن الموسم قوي هذا العام وهناك عشرات المزارعين من قرى راشيا وكوكبا وكفرمشكي والكفير والخلوات وكفرقوق يقصدون معصرتنا لافتاً الى ارتفاع الاسعار بنسبة 10% عن العام السابق اضافة الى إمكانية وصول انتاج المنطقة الى اكثر من 50 طناً هذا العام، وأوضح أنه "للحصول على الدبس متماسكاً وجامداً، يتم خفقه، بواسطة عجانة كهربائية، لكن ما زالوا يستخدمون الطرق التقليدية، من خلال فركه "براحات" الأيادي، أو تحريكه من حين الى آخر بواسطة كومة من أغصان "جبجوب" البطم، حتى يصبح لونه مائلاً الى الأشقر. أما إذا أردنا الحصول على الدبس سائلاً فيعبأ مباشرة بأوعية زجاجية وهو ما زال ساخناً من دون مواد حافظة، وهذا النوع يناسب التصدير إلى دول الخليج العربي.

وأشار القضماني إلى فوائد دبس العنب، خصوصاً في تنقية الدم، وتنشيط الأعصاب، والمحافظة على نضارة البشرة، والشباب الدائم ويقول: "ان الدبس أبو عصبين" كذلك احتواؤه على مادة توسع الشرايين وتسييل الدم". ولفت الى ظاهرة الاستعاضة به عن مادة السكر في صنع بعض الأنواع من الحلويات واستهلاكه في المنازل والمطاعم.

المزارع بين التصدير والتصنيع

أما المزارع "أبو هاني" أمين مغامس فأشار الى أن سعر العنب مقبول ولكن يتعرض الانتاج أحياناً الى ازمة في التصريف نظراً للاحداث التي تحصل في سوريا واغلاق الحدود احياناً اضافة الى الانكماش الاقتصادي الذي يصيب لبنان نتيجة التوترات الامنية وغياب عامل الامن وتراجع الموسم السياحي وتلاشي حركة المطاعم والمحلات التجارية، وعندما يتوقف سوق تصريف العنب أو تطرح كميات كبيرة لا يستوعبها السوق، فلا خيار أمامنا سوى صناعة الدبس.

ورأى أن المزارع يقع دائماً بين مطرقة سوق تصريف العنب وسندان المصنعين، مع غياب عامل تحديد جدول أكلاف التصنيع من قبل الجهات والوزارات المعنية، خصوصاً مع غياب المنافسة على التصنيع كون معاصر العنب قليلة جداً وهي لا تتعدى الثلاث في المنطقة، بحيث يحصل المصنّع على أكثر من 60% من قيمة المنتجات ولا يبقى للمزارع سوى 40% وهي لا تغطي قيمة الفلاحة ورش المبيدات والقطف، وهذا ما ينعكس بشكل سلبي على مردود المزارع مما يشيع مناخاً من الإحباط وعدم الرغبة في التصنيع.

وكشف مغامس أن غالبية المستثمرين الكبار في هذا القطاع الإنتاجي قد خففوا من عمليات التصنيع، والمسألة الآن مقتصرة على المبادرات الفردية، المخصصة للاستهلاك المنزلي ولبعض المتاجر، وما يصدر ويوزع هو من الكميات التي يتقاضاها أصحاب المعاصر من المزارعين غير القادرين على إيفاء الأكلاف بالمال، وتمنى على الجهات المعنية إيلاء هذا القطاع الدعم اللازم إن لجهة تصريف العنب أو تصنيعه وتسويقه، وبالتالي دعم المزارعين وتقديم القروض الميسرة.

وعن أهمية هذا المنتج المحلي استحضر مغامس مثلاً شعبياً "دبس العنب مسمار الركب" وله فوائد صحية كبيرة في تنشيط الجسم وهو غني بالفيتامينات والكالسيوم، ويقدم شراباً ممزوجاً بالثلج بعد أن يحلل في الماء في معظم أيام السنة كبديل عن المشروبات التي تحوي مواد حافظة.

دخلت معاصر دبس العنب في راشيا عصرها الفضي هذا العام مقارنة بالاعوام الخمسة السابقة من حيث ارتفاع منتوجها وازدياد روادها
دخلت معاصر دبس العنب في راشيا عصرها الفضي هذا العام مقارنة بالاعوام الخمسة السابقة من حيث ارتفاع منتوجها وازدياد روادها


دخلت معاصر دبس العنب في راشيا عصرها الفضي هذا العام مقارنة بالاعوام الخمسة السابقة من حيث ارتفاع منتوجها وازدياد روادها
دخلت معاصر دبس العنب في راشيا عصرها الفضي هذا العام مقارنة بالاعوام الخمسة السابقة من حيث ارتفاع منتوجها وازدياد روادها


تعليقات: