الحرية النقابية بين الحق والقانون

الحرية النقابية بين الحق والقانون
الحرية النقابية بين الحق والقانون


المبدأ أن يعبر القانون عن الحق، وأن تترجم مواده مقتضيات العدالة الإجتماعية وحمايتها، إلا أن الواقع ليس كذلك بالضرورة، فقد يحدث أحياناً تناقض بين النص القانوني والحق المنشود ويكبله بقواعد قانونية تفرغه من مضمونه الإنساني والحقوقي وتعرقل مسيرته. فهل أنصف التشريع والقانون اللبناني الحرية النقابية في لبنان؟

الجواب على هذا السؤال هو ملك لمتابعيه، وهو أسير تجاربكم وقراءاتكم واستنتاجاتكم، ولكن لا بد هنا من إستعراض عام وموجز لواقع الحرية النقابية في الحق، وفي القانون الذي يحكم وينظم العمل النقابي في لبنان منذ نشأته مع مطلع القرن الماضي ولغاية اليوم.

الحرية النقابية في التشريع اللبناني:

النشأة الأولى للحركة النقابية:

بدأت معالم الحركة النقابية اللبنانية تتبلور في شكلها المنظم والقانوني منذ أوائل العشرينات من القرن الماضي، ووفقاً لأحكام قانون الجمعيات (العثماني) الصادر سنة 1909 وتحديداً في مصانع الحرير ومصانع التبغ والمرفأ وسكة الحديد وقطاع الطباعة وجمعيتي النجارين والحلاقين ونقابة عمال زحلة ونقابة الطهاة وعمال بلدية بيروت وغيرهم... ويعتبر الإحتفال الذي دعت إليه الحركة العمالية بمناسبة عيد العمال العالمي في الأول من أيار سنة 1925 في سينما كريستال في وسط بيروت، والتي أعلنت فيه عن أول برنامج مطلبي عمالي شامل وموحد، اللحظة التاريخية الحقيقية لإنطلاقة الحركة النقابية وبداية نضالاتها في سبيل تحقيق هدفين أساسيين هما خوض معركة الإستقلال والمساهمة في تحرير لبنان ونيله إستقلاله، وتحسين المستوى الإقتصادي والإجتماعي والمهني لعمال لبنان عبر وضع تشريعات وطنية ترعى مصالحهم وتؤمن قيام حركة نقابية حرة ومستقلة.

الحرية النقابية في الدستور اللبناني:

بالرغم من أن الدستور اللبناني الصادر سنة 1926 لم يلحظ الحرية النقابية بشكل مباشر إلا أنه يمكن إستخلاصها من مقدمة الدستور في الفقرة "ب" والتي تنص على أن (لبنان عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان). وفي الفقرة "ج" والتي تنص على أن (لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد). وجاء في مضمون المادة "13" من الدستور على أن (حرية إبداء الرأي والإجتماع وتأليف الجمعيات مكفولة ضمن دائرة القانون).

لكن العمال إنتظروا ما يقارب النصف قرن من الزمن لكي يترجم ذلك في نصوص قانونية ترعى إنشاء النقابة وشؤون تنظيمها وتحدد أهدافها، ويمكن معالجة موضوع الحرية النقابية من خلال قانونين أساسيين يتعلقان بحرية العمل النقابي وتنظيمه، فما هما هذين القانونين وأين ساهما في حرية العمل النقابي وأين صادرا وتجاوزا هذا الحق؟

الحرية النقابية في قانون العمل:

بعد نضالات عمالية شاقة وطويلة صدر قانون العمل اللبناني بتاريخ 23/9/1946 وتناول الباب الرابع منه (من المادة 83 إلى المادة 106) إنشاء النقابات وتنظيمها، ومن أبرز مزاياه (في ذلك الوقت) انه إعترف للعمال وأرباب العمل بإنشاء النقابات، وسمح بحيز من الحرية وممارستها، ولكن ضمن نطاق ضيق أفقد هذه الحرية معناها الحقيقي.

حرية إنشاء النقابة:

نصت المادة "83" من قانون العمل على أنه "يحق لأصحاب العمل وللأجراء أن يؤلف كل منهم نقابة خاصة ويكون لها الشخصية المعنوية وحق التقاضي"، ولكن القانون إستثنى من هذا الحق الخدم في بيوت الافراد، والأجراء الزراعيون، ومؤسسات العمل العائلية، وموظفي الإدارات العامة والهيئات البلدية، وأفراد الجيش والأجهزة الأمنية والعسكرية والقضاة... وبالرغم من المحاولات الحثيثة والدعوات المتكررة لاحترام المعايير والإتفاقيات الدولية على هذا الصعيد، إلا أن الأمر بقي على ما هو عليه، علماً أن الحكومة اللبنانية الحالية أحالت مشروع قانون على المجلس النيابي بالموافقة على الإتفاقية الدولية رقم 87 المتعلقة بحماية حق التنظيم النقابي إلا أنها تحفظت على المادة الثانية من الإتفاقية وحرمت بالتالي الموظفين في الإدارات العامة والأجهزة الأمنية والعسكرية والقضاة من حق إنشاء النقابات والإنضمام إليها.

ولم يكتف المشرع بهذه الإستثناءات بل أعطى لوزارة العمل الحق في:

إعطاء التراخيص بإنشاء النقابات أو منعها (المادتين 86 و 87 من قانون العمل)، وهذا يتناقض مع أحكام الدستور اللبناني، ومع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والإتفاقية الدولية حول الحريات النقابية رقم 87 لعام 1949 وغيرها من التشريعات العربية والدولية، وحجة المشرّع في ذلك منع فوضى تشكيل النقابات وتفريخها، بينما الهدف كان في الحقيقة وضع اليد على النقابات، والدليل على ذلك أن السلطات عمدت إلى تفريخ نقابات بقرارات رسمية، إلى أن بلغ العدد الحالي للنقابات ما يقارب 600 نقابة و52 إتحاد نقابي، وهو ما سمح لها بالسيطرة على الحركة العمالية عبر السيطرة على الإتحاد العمالي العام والذي أعطاه المرسوم رقم 14559 صفة الهيئة الأكثر تمثيلاً للأجراء، مع ما يترتب عن ذلك من مفاعيل قانونية.

الحق بالمصادقة على النظام الداخلي للنقابة (المادة 89 من قانون العمل) وهو ما يتناقض مع الإتفاقية الدولية رقم 87 المتعلقة بحماية حق التنظيم النقابي، وبالإتفاقية 98 المتعلقة بحق التنظيم والمفاوضة الجماعية.

منع النقابات من الإشتغال بالسياسة والإشتراك في إجتماعات وتظاهرات لها صبغة سياسية (المادة 84 من قانون العمل).

حصر غاية النقابة في الأمور التي من شأنها حماية المهنة وتشجيعها ورفع مستواها والدفاع عن مصالحها والعمل على تقدمها من جميع الوجوه الإقتصادية والإجتماعية والصناعية والتجارية (المادة 84 من قانون العمل) ولم يتطرق المشرع إلى دور النقابة في حماية أعضائها وحماية حقوقهم ومكتسباتهم وتحقيق مطالبهم، بل مُنع على النقابة أن تتولى الدفاع عن مصالح أعضائها الشخصية والتدخل في مثل هذه الدعوى إلا إذا كان من شأن نتائجها أن تنعكس على الصالح العام للمهنة.

وكذلك أعطى المرسوم رقم 7993 الصادر بتاريخ 3 نيسان 1953 لوزارة العمل حق الإشراف على العملية الإنتخابية للنقابة، واعتبر أن العملية الإنتخابية لا تعد نهائيةً ما لم تقترن بتصديق مصلحة النقابات في وزارة العمل، علماً أن هذا الإشراف قد يخرج عن الحدود المرسومة له فتقوم الوزارة بتأجيل الإنتخابات النقابية أو توقفها أو أن تتدخل فيها مباشرة بحجة جمع الصف والكلمة (وهذا ما حصل في الإنتخابات النقابية للنقابة العامة في أوجيرو).

حرية الإنتساب إلى النقابة:

كرست المادة 90 من قانون العمل مبدأ حرية الإنتساب إلى النقابة، وللعضو النقابي الحرية في أن ينفصل عن النقابة بعد إنتسابه إليها (المادة 97)، ولا تملك النقابة الحق برفض طلب الإنتساب إليها إلا إذا كان هذا الرفض معللاً بأسباب قانونية، ويحق لطالب الإنتساب أن يعترض على قرار رفض إنتسابه أمام مصلحة الشؤون الإجتماعية في وزارة العمل (المادة 94 من قانون العمل)، أما إذا كان مفصول من النقابة ولأسباب يراها غير قانونية، فيحق له الإعتراض كذلك أمام مصلحة الشؤون الإجتماعية في وزارة العمل(المادة 96).

حرية التظاهر:

لم يتطرق المشرع لحرية التظاهر في قانون العمل، وليس هناك من نص قانوني يكرس حرية التظاهر بصورة مباشرة. إلا أن هذا الحق معترف به عن طريق ما يسمى "بالإستنتاج العكسي" فقد نصت الفقرة الثانية من المادة 84 من قانون العمل على انه يحظر على النقابات الإشتراك في إجتماعات وتظاهرات لها صبغة سياسية، مما يفهم أن التظاهر مسموح لأسباب لها صبغة مهنية ومطلبية... وقد تصادر السلطة التنفيذية هذا الحق بذريعة الأسباب الأمنية أو بالطابع السياسي للمظاهرة لمنعها.

حرية الإضراب:

لم يتعرض قانون العمل لموضوع الإضراب، إلا أنه أجاز لصاحب العمل فسخ عقد العمل دونما تعويض أو إشعار مسبق إذا إرتكب العامل فعلاً مقصوداً يرمي إلى إلحاق الضرر بصاحب العمل المادية، ويدخل الإضراب ضمن هذا النوع من الأعمال المعاقب عليها (المادة 74 من قانون العمل).

وبقي الأمر كذلك إلى أن صدر قانون العقود الجماعية والوساطة والتحكيم بتاريخ 2/9/1964 حيث أجيز الإضراب ولكن بعبارات غير مباشرة مثل "التوقف عن العمل" و "التوقف الجماعي عن العمل"... وحدد هذا القانون متى وكيف يصبح الإضراب شرعياً، فحظر التوقف عن العمل بسبب نزاع جماعي قبل وأثناء مرحلة الوساطة، وأثنا مرحلة التحكيم، وبعد صدور قرار التحكيم، بمعنى آخر يصبح الإضراب شرعياً ضمن الفترة الفاصلة ما بين إنتهاء الوساطة وبدء التحكيم.

الحرية النقابية في قانون الموظفين:

صدر نظام الموظفين بموجب المرسوم الإشتراعي رقم 112 في 12 حزيران سنة 1959 ويخضع له كافة الموظفين في ملاك الإدارة العامة، وجاءت المادة 15 منه تحت عنوان "الأعمال المحظورة" والتي حظرت على الموظف:

أن ينشر خطباً أو مقالات أو تصريحات أو مؤلفات دون إذن خطي من رئيس إدارته (الفقرة رقم 1 من القانون).

أن ينضم إلى المنظمات أو النقابات (الفقرة رقم 2).

أن يضرب عن العمل أو يحرض غيره على الإضراب (الفقرة رقم 3).

أن ينظم العرائض الجماعية المتعلقة بالوظيفة أو أن يشترك في تنظيمها مهما كانت الاسباب والدوافع (الفقرة رقم 9).

أمام هذا النص القانوني الجامع والمانع يصبح من العبث الحديث عن الحرية النقابية ومدى ممارستها، فقد حرم القانون أكثر من 180000 موظف وأجير من حق التنظيم النقابي، بل وحرم الحركة النقابية من فئة كبيرة تتمتع بمستوى ثقافي وعلمي وبوعي نقابي عالي. وهو ما يخالف أبسط المعايير والتشريعات والإتفاقيات الدولية التي وافق عليها لبنان، إما ضمناً وإما صراحةً.

الحق في الحرية النقابية

عندما يصادر القانون الحق، يصبح التفتيش عنه وإثباته في الوثائق والقوانين والتشريعات والإتفاقيات الدولية هو أفضل الوسائل والمصادر لتأكيده، ولعل أبرز الوثائق التي تؤكد الحق في ممارسة الحرية النقابية هي التالية:

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية.

الإتفاقية الدولية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية وحماية الحق النقابي.

الإتفاقية الدولية رقم 98 الخاصة بتطبيق مبادىء الحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية.

الإتفاقية الدولية رقم 135 المتعلقة بتوفير الحماية والتسهيلات لممثلي العمال في المؤسسة التي يعملون فيها.

الإتفاقية الدولية رقم 151 الخاصة بحماية حق التنظيم النقابي وإجراءات تحديد شروط الإستخدام في الخدمة العامة.

وهذه بعض أبرز المواد والفقرات المتعلقة بالحرية النقابية والتي ضمّنتها الوثائق أعلاه:

جدول بأهم الحقوق النقابية الأساسية وفق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية:

لكل شخص الحق في حرية الإشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية (الفقرة 1 من المادة 20 من الإعلان).

لا يجوز إرغام أحد على الإنضمام إلى جمعية ما (الفقرة 2 من المادة 20 من الإعلان).

لكل شخص الحق في أن ينشىء وينضم إلى نقابات حمايةً لمصالحه (الفقرة 4 من المادة 23 من الإعلان).

تتعهد الدول الأطراف في العهد الدولي (المادة 8 منه) بكفالة ما يلي:

حق كل شخص في تكوين النقابات بالاشتراك مع آخرين وفى الانضمام إلى النقابة التي يختارها، دونما قيد سوى قواعد المنظمة المعنية، على قصد تعزيز مصالحه الاقتصادية والاجتماعية وحمايتها . ولا يجوز إخضاع ممارسة هذا الحق لأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو النظام العام أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

حق الإضراب، شريطة ممارسته وفقا لقوانين البلد المعني.

لا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة أو رجال الشرطة أو موظفي الإدارات الحكومية لقيود قانونية على ممارستهم لهذه الحقوق.

جدول بأهم الحقوق النقابية الأساسية وفق الإتفاقيات 87 و 98 و 135 و 151.

حقوق العمال أجمعين، دون تمييز أو تفرقة أياً كان نوعها، في الإنضمام إلى تنظيمات بمحض إختيارهم دون الحاجة إلى تصريح مسبق.

حق النقابات في وضع الدساتير واللوائح الخاصة بها، وانتخاب ممثليها بكل حرية، وتنظيم إدارتها وأنشطتها وبرامجها دون أي تدخل من السلطات الحكومية.

حق النقابات في الإنضمام معاً في اتحادات قومية ودولية، وحق كل منها في الإنضمام إلى التنظيمات النقابية الدولية.

حماية النقابات من الحل أو الإيقاف بموجب قرار إداري.

حق النقابات في توفير الحصانة لمقارها وتأمين سلامة مراسلاتها وإتصالاتها الهاتفية.

حماية العمال من القرارات والأفعال المناهضة للنقابة في مجال عملها.

حماية النقابات من أي تدخل من جانب أصحاب العمل في عملية تشكيلها وسير عملها وإدارتها.

حق حماية الأموال والأصول الخاصة بالنقابات ضد أي تدخل من السلطات الحكومية.

حق النقابات في المفاوضات الجماعية على تنظيم شروط وظروف العمل.

حق النقابات في ممارسة أنشطتها داخل الشركة وفي مقر العمل.

حماية الممثلين النقابيين من السجن والإعتقال لقيامهم بأعمال تتفق مع ممارستهم لحقوقهم النقابية.

حق العمال ونقاباتهم في الإضراب كوسيلة هامة للحصول على الترقيات والدفاع عن مصالحهم الإقتصادية والإجتماعية.

حق عمال القطاع العام بإنشاء نقابات وتسيير وإدارة أعمالها دون تدخل السلطات.

حق نقابات القطاع العام بممارسة عملها بالإستقلال الكامل عن السلطات.

يمنح ممثلو العمال من التسهيلات في المؤسسة ما يسمح لهم بأداء مهامهم بصورة سريعة وفعالة.

هذا عرض سريع لواقع الحرية النقابية بين الحق والقانون، ويبقى السؤال المطروح، هل إستفدنا من النص الدستوري والتشريعات الوطنية لممارسة وتحصين الحرية النقابية؟ وهل إستفدنا من المعايير التي نصت عليها التشريعات والقوانين والإتفاقيات الدولية لكي نعيد بناء نقاباتنا على أسسٍ متينة لكي تصبح أكثر حرية وديمقراطية وفعالية، ولكي يتسنى لها المشاركة بفعالية في رسم السياسة الإقتصادية والإجتماعية للدولة؟

ولنتذكر جميعاً أن هذه المسؤولية تقع على كاهلنا، ويجب أن تبقى كذلك...

...

* بقلم: أحمد حسان

تعليقات: