لبنان قادر على إنتاج ستة آلاف ميغاوات كهرباء من الطاقة البديلة

يمكن لمشروع «هوا عكار» في حال تنفيذه إضاءة ستين ألف منزل في قرى عكار النائية والمحرومة
يمكن لمشروع «هوا عكار» في حال تنفيذه إضاءة ستين ألف منزل في قرى عكار النائية والمحرومة


مـبـادرات خـاصـة لـلإنـارة تـسبـق عـقـل الـدولـة

عندما تضيء منزلا أو مدرسة أو مؤسسة بالكامل، ينتابك شعور بالفرح، لأنك لن تعود معتمداً على مؤسسة الكهرباء، ولا منتظراً مولّد الحي. تتحول المشاريع الصغيرة لتوليد الطاقة من الشمس والرياح، إلى حلم لدى كل مواطن، بسبب الأزمة المتمادية للكهرباء.

يكبر ذلك الحلم، إذا عرفت أن هواء الشمالي للبنان، لم يعد للأغنيات فحسب، بل يمكن أن يتحول إلى طاقة كهربائية كبرى، تغطي معظم الأراضي اللبنانية، إذا توافرت الإرادة لإنتاجها، وتراجعت المنافع الخاصة.

المذهل أن لبنان يستطيع إنتاج ستة آلاف ميغاوات من الكهرباء من الرياح فحسب، وفق أطلس الرياح الذي أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، سبعون في المئة منها في الشمال، وبكلفة تبلغ نصف كلفة إنتاج الكهرباء على الطاقة الحرارية. واستناداً إلى المعيار العالمي لمعدل سرعة الرياح الكافية لإنتاج الطاقة، يجب أن تبلغ ستة أمتار ونصف المتر في الثانية. وذلك المعدل متوافر في عكار والكورة وكسروان وجباع ومليتا وجرجوع وجبل الشيخ والهرمل، سبعون في المئة منه في عكار.

لكن دون الإنتاج صعوبات، هي عدم وجود قرار سياسي، وبالتالي نقص التشريعات اللازمة، وعدم توافر الخبرة التي أنتجت في المجتمعات المتطورة، ولكن يمكن الاستعانة بها.

مع ذلك، تجري إضاءة شمعة بدلاً من لعن الظلام. فقد قامت وزارة الطاقة أخيرا بخطوة متقدمة من خلال قرارها استقبال جميع المشاريع الخاصة لإنتاج الطاقة من الشمس والرياح والمياه، في الثالث عشر من الشهر الجاري، تمهيداً لدراستها، ومن ثم البت بها.

«هوا عكار» للمناطق النائية والمحرومة

أبرز مشاريع الطاقة حتى الآن هو مشروع «هوا عكار»، ليس لحجمه فحسب، بل لتناوله أكثر المناطق حرماناً. يقول مدير المشروع ألبير خوري إن جميع الدراسات الخاصة بخـطة إنتـاج ستين ميغاوات من الرياح، أصبحت جاهزة بمشاركة خبراء أجانب، ولم يعد يلزم سوى تقديمها إلى الوزارة. ويمكن للخطة في حال تنفيذها إضاءة ستين ألف منزل في قرى عكار النائية والمحرومة.

إلى ذلك، سيؤمن المشروع فرص عمل لمئات المواطنين. وهنا يقول خوري إن هناك عقود تشغيل مع شركات عالمية لتدريب الموظفين والعاملين فيه، والتأكد أن اليد العاملة أصبحت تملك المعرفة اللازمة بكل تفاصيل المشروع، من أجل نقل الخبرة إلى البلد، وسيؤمن مداخيل للبلديات. وقد وجد خوري من خلال زياراته عكار أن المشروع أوجد حوافز لدى الأهالي وبلديات المنطقة لمتابعته، والمطالبة به.

ويؤكد أن المشروع سيتيح إنتاج طاقة نظيفة، لأن ما يهمنا هو الإنماء والحفاظ على الثروة البيئية. والأرض لبنانية والخبرة ستصبح لبنانية والرأس مال لبناني، «يعني ما حدا إلو علينا شي». وتبلغ كلفة المشروع مئة مليون دولار، سيدفع خوري جزءا منها، والباقي يمول عبر قروض من مصارف دولية بفوائد منخفضة. ويبدي ثقته في موافقة وزارة الطاقة عليه من دون أخذ حصة منه لوزير أو مسؤول. أما توزيع الطاقة، فسيكون عبر الشبكة العامة، بعد أن تشتريها مؤسسة الكهرباء جاهزة.

إنارة خمسة وثمانين مبنى حكومياً وتسخين مياه

تمكن مشروع «سيدرو» للطاقة البديلة، التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي من إضاءة سبعين مؤسسة حكومية حتى الآن، على الطاقة الشمسية إضاءة كاملة، من بينها خمس وعشرون مدرسة رسمية، بالإضافة إلى مراكز بلدية واجتماعية. ويمكن من خلال الطاقة المنتجة استخدام عدد من أجهزة الكومبيوتر والتلفزيون، لكن من دون القدرة على تأمين التدفئة أو التبريد.

وأقام «سيدرو» مشاريع تسخين المياه على الطاقة الشمسية في المستشفيات الآتية: كسروان، ضهر الباشق، عبد الله الراسي، إهدن، قرطبا، سير الضنية، طرابلس، بنت جبيل، الهرمل، صيدا، بشري، جزين، سبلين، سجن رومية، وثكنتا الجيش في بعلبك والفياضية.

وحدد عشرة مواقع صالحة لإقامة مشاريع إنتاج الطاقة على الرياح، وهي: مدارس المقيطع، قرحة، الريحانية، دير الأحمر وشبعا، وكل من مركز الجيش للاتصالات في عرسال، ومركز المجتمع في راس بعلبك. ويعمل على تركيب توربينات الرياح في تلك المناطق.

وينفّذ حالياً مضخة لمصدر الحرارة الأرضية في بلدية بجة في قضاء جبيل على علو ستمئة متر، وهو يعتبر الأول من نوعه في لبنان، ويهدف إلى المساهمة في توفير حاجات التدفئة والتبريد والمياه المنزلية الساخنة لمبنى بلدية بجة.

وتعتمد مضخة مصدر الحرارة الأرضية على منظومة تدفئة وتبريد تضخ الحرارة من الأرض وإليها، وتستخدم الأرض مصدراً للحرارة في الشتاء، وبالوعة للحرارة في الصيف. وقد أوضح مدير المشروع حسان حراجلي أن كلفة تشغيل كل جهاز للمبنى على الطاقة الشمسية تبلغ اثني عشر ألف دولار، وعلى الرياح عشرة آلاف دولار.

وادي الحجير منارة كهرومائية

إلى الطاقة الكهرومائية، حيث يمكن تقديم نموذج إنارة وادي الحجير، إذ قرر اتحاد بلديات جبل عامل، إنارة الطريق في الوادي، بعد تحويله إلى متنزه ومحمية، عبر استخراج الطاقة من مياه الليطاني. ويقول رئيس الاتحاد علي الزين إنه استُعين بخبير ألماني زار الوادي وعاينه، وأجرى الدراسة الأولية، وطلب بعض الأمور الخاصة بالمساحة، تمهيداً لإعداد الدراسة النهائية. وسيتم تمويل المشروع بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بكلفة مئتي ألف دولار، لكي يصبح الوادي منارة للمتنزهين.

لا تقتصر الإنارة بالطاقة البديلة على الحجير، فقد سبقتها إنارة شوارع وأحياء ست بلدات تابعة للاتحاد على الطاقة الشمسية، وهي قبريخا، القنطرة، عدشيت، الطيبة، مركبا ورب ثلاثين. وتم تركيب ثلاثين لمبة في كل بلدة، وبلغت كلفة المشروع مئتي ألف يورو، ويتولى صيانتها اتحاد البلديات.

وتمت إنارة ثلاثة مراكز عامة هي: مدرسة قبريخا الرسمية، بلدية القنطرة ومكتبة الطيبة العامة، وتعطي النور في كل مبنى بكمية تراوح بين خمسة عشر وعشرين امبير.

كلفة ضئيلة أمام الطاقة الحرارية

تقدم تلك النماذج، أمثولة على الامكانات، إذا تركت الخيارات لأصحابها، وهي تسبق دائما ما يفكر فيه المسؤولون. ويؤكد خوري أن الكهرباء هي سلعة استراتيجية في كل دولة، ولا يمكن الاستمرار في شرائها من الخارج. ويشير إلى أنّه مثلما أوقفت مصر وسوريا إعطاء لبنان الكهرباء والغاز، فإن إيران يمكن أن تعطينا الكهرباء اليوم، وربما يحصل غدا أمر ما فيها يجعلها تتوقف عن ذلك.

يضيف أن دول أوروبا تشتري الكهرباء، ولكنها تفعل ذلك عندما تحصل أعطال كهربائية، أو عندما تقرر صيانة معامل الكهرباء. لذا، يجب أن يصبح لدى لبنان اكتفاء ذاتي، اليوم أو غداً، شاء المسؤولون فيه أم أبوا. ومثله، يؤكد خبراء برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للطاقة أن لبنان يملك الإمكانات لتأمين الاكتفاء الذاتي، ويجب على مسؤوليه السعي لذلك.

يحتاج لبنان، حتى العام 2015، إلى نحو أربعة آلاف ميغاوات، من بينها إنتاج الطاقة البديلة التي وردت في خطة الوزير جبران باسيل، وأقرت في مجلس الوزراء، ووردت في البيان الوزاري للحكومة. وسبق ذلك وعد رئيس الحكومة السابق سعد الحريري أن يكون لدى لبنان اثني عشر في المئة من الطاقة المتجددة في العام 2020.

أما لماذا تم تحديد الخطوة الأولى بإنتاج مئة ميغاوات فقط من الطاقة البديلة، كما حددت وزارة الطاقة، فذلك يثير السؤال، ما دامت الإمكانات المتاحة أكثر بكثير. ويفسر خوري الخطوة الخجولة بأن لبنان لا يزال جديدا على إنتاج ذلك النوع من الطاقة، مع العلم أنه تأخر في هضمها والموافقة عليها.

وتحسب وزارة الطاقة كلفة إنتاج الكيلواط ساعة حالياً للمواطنين بسعر خمسة وثلاثين سنتاً، وهي كلفة مرتفعة جداً، وناتجة من جمع كلفة إنتاجها في معامل الكهرباء، وفي المولدات الخاصة، بينما تبلغ كلفة إنتاج الكيلواط في بعلبك وصور عشرين سنتاً، والاستجرار من سوريا ثمانية عشر سنتا، ومن البواخر في تركيا ثمانية عشر سنتا. وبموجب دراسة قام بها البنك الدولي مع أكبر استشاري في الطاقة الكهربائية وهي شركة GRADE، تبلغ كلفة انتاج الكيلواط ساعة من الرياح أربعة عشر سنتا. فيما يوضح حراجلي أن تمويل مشروع البيئة والطاقة البديلة كان من هبة إسبانية عبر صندوق النهوض بلبنان بعد حرب تموز، وبلغت عشرة ملايين دولار.

ويؤكد أن كلفة إنتاج الطاقة على الرياح تساوي نصف كلفة إنتاج الطاقة الحرارية على الفيول أويل والديزل المتبعة في لبنان، بينما تراجعت في باقي الدول التي أصبحت تستخدم بدلا منها الفحم والغاز والطاقة النووية، لأنها عالية الكلفة. ويشير إلى أن الدانمارك هي الرائدة في إنتاج الطاقة البديلة، وقد أصبحت نسبتها ثلاثين في المئة من مجمل الطاقة المنتجة.

تعليقات: