الخيام وطلّ شوي عَ

«طيور الجنة» و«طه».. المذهبيّة وصلت إلى برامج الأطفال

عند سؤال أحد رجال الدين، عن المنافسة بين قناتي الأطفال «طيور الجنة» و«طه»، اكتفى بتقديم إجابة «السطر الواحد»: «طيور الجنة معروفة الخطّ الديني، من هنا وجب ابتكار قناة للخطّ المقابل فولدت «طه»». عند استيضاحه عمّا إذا كانت المسألة هي منافسة «سنيّة ـ شيعية»، رفض الإجابة، بحجّة أنّ تصوير المشهد بهذا الشكل أمر مباشر وقاس.ٍ

إطلالة سريعة على كلّ من القناتين، كفيلة بتقديم صورة واضحة. أطفال يُحاكون أطفالاً. «بالتي هي أحسن»، يدعونهم إلى اتّباع طريق الحقّ. مع انطلاقة «طيور الجنة» عام 2008، تجمهر الأطفال في العالم العربي من حولها. سُعد الأهالي بالفكرة. قناة يمكنها أسر الأولاد طوال النهار. حتّى من هم دون عمر السنة، بات ممكناً ضمان هدوئهم، ولوقت طويل. ألوان، أغانٍ، موسيقى وأطفال يرقصون ويمرحون...

غرق الجميع. حتّى بين الكبار، راجت بعض الأغاني، وبتنا نسمعهم يدندنون جملاً مثل «قال الأرنب لأمو ماما اسمحيلي روح العب..»، أو «يا ماما سناني واوا ودّيني عند الطبيب». وسّعت القناة نطاق برامجها. وانتقل أبطال «طيور الجنة»، الذين باتوا حديث الناس بسرعة قياسية، إلى إحياء حفلات ضخمة في الدول العربية. وهذا ما أعطاهم رواجاً أكثر اتّساعاً. القناة القائمة على الإرشاد ووعظ الأطفال، قطعت أشواطاً كبيرة في الحديث عن القضية الفلسطينية والصدق والنزاهة، إضافةً إلى جولات تعليم الصلاة والوضوء وتوجيه التحيات إلى عمر وأبي بكر. القناة «السنيّة» التي يرأسها خالد مقداد ومقرّها في الأردن، سلكت خطّاً واضحاً، إلى أن أُطلقت قنوات للأطفال مشابهة بطعم «شيعيّ»، لكنها لم تُحدث الضجة اللازمة لأسباب عديدة.

وبعد اقتحام قناة «طيور الجنة» حلبة الاختلافات «السنية ـ الشيعية»، كان لا بدّ من مشروع بتمويل كبير وفكرة مشابهة للمنافسة، لكن لحساب الخطّ «الشيعي» هذه المرّة. في آذار 2010 وُلدت قناة «طه»، ومقرها لبنان. قناة الأطفال الجديدة أحدثت فرقاً، بخلاف بعض المحاولات الضئيلة الإمكانات التي سبقتها. سارت القناة الجديدة على خُطى «طيور الجنة»: إرشاد ووعظ، حبّ الرسول، أهميّة الصلاة، محبّة الأهل. وهذه جميعها في قالب موسيقي وبصريّ «مغر»، بمقدار مشابه لما تقدّمه «طيور الجنة»...

الفرق الوحيد ـ الأكثر «إغراءً» ربما ـ هو أن طه تتكلّم وتعلّم «شيعي». طريقة الصلاة، كيفيّة الوضوء، حبّ عليّ والأئمة، نوعيّة الموسيقى المستخدمة. وهكذا انقسمت الساحة. أهالي الأطفال الشيعة الذين أحبّوا فكرة «طيور الجنة» على اعتبار أنها مسليّة وواعظة، وجدوا ضرورة في الانتقال إلى قناة تدرّس أولادهم الصحيح (بنظرهم). لم تكن عمليّة «تعويد» الأطفال على نمط جديد سهلة، لكن في النهاية لا بدّ من الرضوخ. انقسم الأطفال، وبات معظمهم يفرّق بسهولة بين «طيور الجنة» و«طه». ما يلفت أن موزعي كابلات الفضائيات يحرصون على أن تكون القناتان متجاورتين.

جولة على بعض المنتديات العربية، تكفي لفهم الانقسام. يسأل أحدهم زملاءه في المنتدى، متحدثاً عن «طيور الجنّة»: «هل هناك قناة شيعية تنافسها؟ أو قناة تسحب البساط من تحتها؟ لماذا لا توجد قناة تنافسها؟ أعجزَ التجار وأصحاب رؤوس الأموال الشيعية عن إنشاء قناة منافسه لها؟». على خطّ مواز يخرج شخصٌ في منتدى ثان، داعياً إلى إبعاد الأطفال عن القنوات المشبوهة مثل قناة «طه»، «التي اتضح من خلال المتابعة أنها تحمل فكر الشيعة «الرافضة».

عند كتابة «قناة طه» في محرك بحث «غوغل» سيظهر رابط لـ «ويكيبيديا» بعنوان «القنوات الفضائية الشيعية». وفي اللائحة إدراج لقناة الأطفال «طه». أمّا «طيور الجنة»، فلها صفحة خاصّة على «ويكيبيديا»، لكنّها لا تغيب عن بعض الروابط الخاصة بالقنوات السنية.

لا جديد في الحديث عن انقسام. لكنّ نقله للأطفال بهذا الوضوح أمرٌ غريب. مؤسفٌ أن تخبرك إحدى الفتيات أن أطفال «طيور الجنة» يصلّون بلا «سجدة رأس». مؤسفٌ أن تمنع إحدى الأمهات أولادها عن مشاهدة «طه» لأنهم تعلّمهم الصلاة «الشيعيّة».

مقالات أخرى للكاتب(ة)

    تعليق