مليارات السنيورة: لا صك براءة.. بلا قطع حساب

الإعلامي والمحلل السياسي نبيل هيثم
الإعلامي والمحلل السياسي نبيل هيثم


أين صرف مبلغ الـ11 مليار دولار وأين «المالية» إذا كان المجلس معطلاً؟

مليارات السنيورة: لا صك براءة.. بلا قطع حساب

ليست المقايضة التي طرحها الرئيس فؤاد السنيورة على الرئيس نبيه بري وربط فيها تمرير مشروع فتح اعتماد الـ8900 مليار ليرة بتمرير الاحد عشر مليار دولار التي انفقتها حكوماته وتخطت فيها سقف إنفاق موازنة عام 2005، هي الاولى من نوعها بل الثانية، اذ سبق له ان عرض المقايضة ذاتها ورفضت خلال مناقشة مشروع الـ8900 في لجنة المال والموازنة، ولوزير المال محمد الصفدي كلام واضح آنذاك «إننا عاجزون عن إقرار الـ11 مليار دولار من دون قطع حساب السنوات السابقة منذ 2005، وتحديد واضح لأوجه إنفاق هذا المبلغ، لا على أساس مقايضة غير منطقية».

وإذا كان السنيورة قد أدرج التشكيك بالاحد عشر مليار دولار في سياق زوابع فنجانية لا تأثير لها، فإن المشككين يسجلون الملاحظات التالية:

الاولى، ان مجرّد طرح السنيورة لعرض المقايضة يكشف عن نقطة ضعف كبرى تعتري موقفه وحجته، فإصراره على المقايضة وربط الـ8900 مليار ليرة بالـ11 مليار دولار معناه الذهاب الى منطق الصفقة للتغطية على عيب ما، فهل كان سيذهب في هذا الاتجاه لو كان يمتلك حججاً قانونية؟

الثانية، ان استعجال السنيورة وإصراره على طي هذا الملف وإسدال ستائر النسيان على كل ملياراته، يعكس بوضوح ان هذا الملف يشكل سيفاً سياسياً وقانونياً مصلتاً على رقبة السنيورة وفريقه، وبالتالي ثمة اولوية لإقفال هذا الملف وعدم إبقائه قابلاً للاستخدام والاستثمار ضده، خاصة أن «الحصانة» المتوفرة اليوم قد لا تكون متوفرة في مرحلة لاحقة، سواء على الصعيد السياسي أو المذهبي.

الثالثة، لو كان جسم الأكثرية النيابية صلباً، لما اقدم السنيورة على عرض المقايضة، ذلك انه استغل هزال هذا الجسم، ورمى كرة النصاب، وبديهي القول هنا إن السنيورة ومعه فريقه، سيبقى متحكماً بهذه اللعبة، إن لم تدرك الأكثرية نقطة ضعفها وتعيد إنتاج نفسها عددياً بالاصوات التي منحت حكومة نجيب ميقاتي الثقة (67 صوتاً)، وتجسيد هذه الاصوات في الجلسة التشريعية في الخامس من اذار المقبل لتصديق ما تريده الاكثرية وخاصة مشروع الـ8900 مليار ليرة، وقطع الطريق على اي صفقات.

على ان السؤال الذي يفرض نفسه في موازاة البحث عن مخارج قانونية لمليارات السنيورة هو، هل يمكن تمرير هذه المليارات المجهولة وجهة الانفاق بصفقة على الطريقة اللبنانية التي تترك علامات استفهام دائمة، ومن دون ان يكون هناك قطع حساب او حساب مهمة. وهل بين وسطيي الاكثرية من يريد لفلفة الاحد عشر مليار دولار إلا أنه لا يشهر موقفه الحقيقي؟

تقول اوساط في الاكثرية إنه لا يجوز من حيث المبدأ الربط بين الـ8900 مليار ليرة والـ11 مليار دولار، خاصة أن مجرد التوازي بين هذين الامرين معناه الدخول في التواطؤ وقطع الطريق مستقبلا على اية مناداة بالرقابة الحقيقية وتحت اي عنوان. ومعناه ايضا فتح الباب امام حصول حالات مشابهة وإنفاق مشابه في المستقبل من دون حسيب او رقيب، فضلا عن أن ذلك يعطي السنيورة وفريقه جائزة ترضية على كل أداء السنوات الماضية، في وقت هو مطالب بالإجابة على مجموعة من الأسئلة:

ـ لماذا اعتمد السنيورة «سياسة اللاموازنة» منذ عام 2006؟

ـ لماذا لا يتم تقديم الكشوفات لوقف الجدل القائم حول المليارات، سواء صرفت على الكهرباء أو الخدمات أو البنى التحتية أو في خدمة الدين العام، أو التعويضات جراء عدوان تموز 2006، أو على بنود خارج إطار الموازنة، سواء على الزفت الانتخابي، أو غيره، اذ لا يعقل ان يأتي البعض ويطلب براءة ذمة على ما سلف، ومن دون اي مستند؟

ـ لماذا بقي السنيورة متكتماً على المليارات الأحد عشر ولم يأت على ذكرها لا من قريب او بعيد إلا بعدما تم كشفها، ومعلوم هنا ان الرئيس نبيه بري هو اول من اثار هذا الموضوع، ومن على بوابة القصر الجمهوري، وما هو مبرر هذا التكتم؟

ـ إن الحكومة الحالية وقبل ان تصرف وجدت ان هناك فروقاً وزيادة في الإنفاق عن موازنة الـ2005 فبادرت الى إعداد مشروع قانون يجيز لها ذلك، وأحالته الى المجلس النيابي، فلماذا لم يبادر السنيورة الى إحالة مشروع قانون الى المجلس يطلب إجازة لاحقة بإنفاق هذه المبالغ؟

ـ اذا كان السنيورة يقول بعدم القدرة على إعداد مشروع قانون نظراً للظروف السياسية بين 2007 و2008 ، فلماذا لم تبادر حكومة سعد الحريري الى وضع هذا المشروع وإحالته الى المجلس النيابي؟

ـ يقول السنيورة وفريقه إن مجلس النواب كان معطلاً في تلك الفترة، فلنفترض أن ذلك صحيح، فهل كانت وزارة المالية معطلة ايضاً، وألم تقم هذه الوزارة بضبط حركة الانفاق، ام ان هذا الانفاق تم بمعزل عنها ايضاً؟ علماً ان وزير المالية محمد الصفدي، الذي ورث الوزارة من وزيرة المستقبل ريا الحسن، قال كلاماً بالغ الدلالة في هذا السياق: «لا وجود لوزارة مالية، هناك موظفون من دون وزارة، ولا توجد آليات عمل توزع المهام بين الموظفين، وجهاز المعلوماتية في الوزارة غير محدد المهام ومن دون أي آليات للضبط، وأجهزة الحساب الالكتروني مفتوحة للجميع، يدخل إليها من يشاء، وهي» أشبه بسوق عكاظ». ويمكن التأكيد أن الوزارة كانت تدار من خلال وزارة أو إدارة رديفة».

وبصرف النظر عما اذا كانت رحلة البحث عن المخارج القانونية لمليارات السنيورة ستوفق في العثور عليها ام لا، فإن قطباً سياسياً يرى انه حتى ولو تمت التسوية من خلال إجازة لاحقة يوافق عليها المجلس النيابي، فهذا يستدعي قبل أي شيء إيضاح وجهة إنفاق الاحد عشر مليار دولار وتوزيعها على جداول تتضمن الأبواب والفصول والبنود، على غرار ما فعلت لجنة المال والموازنة النيابية مع طلب حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بفتح اعتماد الـ8900 مليار ليرة وذلك بناء على طلب نواب فريق 14 آذار، وبالتالي تبيان ما اذا كانت قد صرفت بطريقة غير قانونية، او بطريقة قانونية في اطار عناوين واضحة ومحددة تراعي القواعد المحاسبية والدورة المستندية والشفافية المطلوبة ونظام المحاسبة العمومية المعتمد في تنظيم الانفاق. وحتى لو تمت تسوية فهذا لا يعفي من تقديم حساب المهمة للسنوات الماضية ومن ثم ارسالها الى ديوان المحاسبة. ومن شأن هذا الايضاح، الذي ينبغي ان يكون شفافا، كما يقول القطب السياسي، ان يبين ما اذا كان الانفاق كيدياً وما اذا كان قد تم التعاطي مع الأحد عشر مليار ليرة وكأنها ليست مالاً عاماً.

ويلفت القطب السياسي الانتباه الى ان المسألة لا تتصل فقط بالمساءلة حول موضوع إنفاق الاحد عشر ملياراً، بل تحتاج الى المساءلة حول موضوع الواردات ايضاً، لأن الحكومات ما بين العامين 2007 و2009 حصلت على مساعدات مالية كبيرة، ابرزها بواسطة الدول المانحة (باريس 3) التي بلغت قيمة المساعدات التي تسلمتها الحكومة حتى اواخر عام 2009، فقط من المؤتمر المشار اليه، ما يقارب 3698 مليون دولار، فضلا عن ان 1600 مليون كانت مخصصة لدعم الموازنة، ومع ذلك بقي عجز الموازنة على حاله ويفوق الثلاثة مليارات سنوياً، وبالتالي بقيت الاستدانة لتمويل العجز مستمرة بوتيرتها التصاعدية ليرتفع الدين في تلك الفترة من 33 ملياراً عام 2005 الى 51 مليار دولار في نهاية عام 2009. وهنا لا بد ايضا من معرفة وجهة صرف ما قيمته 266 مليون دولار مخصصة لمشروعات تنمية، في الوقت الذي لم تشهد نوعية الخدمات العامة والبنى التحتية في كافة المجالات اي تقدم يذكر.

تعليقات: