المدارس ودكاكينها \"بازارات\" تُضيّع العقول.. والبطون

المدارس ودكاكينها \
المدارس ودكاكينها \"بازارات\" تُضيّع العقول.. والبطون


في مثل هذه الأيام من كل عام تعود ورشة المدارس وهمومها. هموم تبدأ بالاقساط واسعار الكتب وتكاليف النقل الكفيلة بسحب " تحويشة" العام ولا تنتهي عند مأكل الطلاب الذي تحمله الأمهات بشكل خاص، كونهن المعنيات بشؤون تغذية أولادهن وتجهيز "زهبة" اليوم الدراسي الطويل للإبقاء على سلامة صحتهم الجسدية والذهنية.

المقاصف، والدكاكين والمحال الأكشاك او الـ"kiosque" بالأجنبية، تسميات تعدّدت ومحتواها واحد. من الشوكولا الى البسكويت مرورا بالشيبس وصولا الى المشروبات الغازية والعصائر المحلاة، أصناف متعددة ومغرية تعرضها المدارس امام طلابها لتكون فرصة الاستراحة فرصة ذهبية لابتياع ما لذ وطاب من المأكولات التي تسمن ولا تغني من جوع، فـ"تشطّ ريلة" الطفل للحصول عليها والتهامها، لا سيما المحروم منها في منزله الذي تجده لا يتوانى عن ترك زوادة والدته "المملّة وغير الشهية" طلباً لما هو "أشهى وألذ " بنظره. 22,5% من الأطفال الذكور في لبنان يعانون زيادة في الوزن مقابل 16,1% للفتيات، كما أن النسب لحظت ارتفاعاً في معدّلات السمنة عند الفئة العمريّة بين الستة والثمانية عشر عاماً من نسبة 7% في العام 1997 إلى نسبة 14% في العام 2009، إحصاءات إذا ما دلّت على شيء فهي تدلّ على الخطر الصحي الكبير الذي يداهم صحة أطفال الذين لا يزال معظمهم في سنواته الدراسية الابتدائية والمتوسطة. دراسات علمية صدرت اخيرا أشارت الى الارتباط الوثيق والمباشر بين ما يتناوله الطلاب من غذاء أثناء اليوم الدراسي، وبين آدائهم التعلميي وبالتالي نتائجهم الدراسية. وبما أن تلك الحوانيت موجودة في قلب المدارس، فمن الطبيعي أن تكون حكماً تابعة، لو بشكل غير مباشر لوزارة التربية، المعني الأكبر بالموضوع. فمنذ عهد وزيرة التربية السابقة بهية الحريري جرى الإعداد لمشروع خصّص لتلك الحوانيت بالتعاون مع عدد من الجمعيات والمنظمات كمنظمة الصحة العالمية اليونيسف، بهدف ايجاد أفضل شروط السلامة وتأمين الغذاء الصحي للأطفال وتحييد الأصناف المسموح بيعها وغيرها من شروط السلامة، إلا ان المشروع ومنذ ذلك الحين لا يزال محفوظاً في الأدراج أو طي المناقشة النظرية، لتبقى الحوانيت مفتوحة على المأكولات المفترض ان تكون غير مشروع تناولها بالنسبة للاطفال. ورقة المشروع عادت وتحرّكت من جديد لا سيما مع تحرّك عدد من الجمعيات أو حتى الجامعات كالأميركية منها التي تعمل على إصدار تقرير ميداني وورقة مشروع تقدمه الى وزارة التربية، إلا ان اللافت في الموضوع، وكما يشير أحد المصادر، أن تلك الورقة وإن تمّ تصحيحها او تعديلها فهي لن تطال المدارس الخاصة، وبذلك تكون المرة الأولى التي يمتاز بها تلميذ المدرسة الرسمية إيجاباً عن قرينه في المدارس الخاصة !

إيمان، والدة لطفلين أحدهما في الصف السابع وآخر في الرابع من المرحلة الابتدائية، اعتادت يومياً تحضير وجبة ولديها من سندويشات اللبنة أو الجبنة مع ما تيسّر من الفاكهة وأحياناً بعض الحلوى المصنوعة منزليا، وهي التي تحرص على صحتهما وعدم تناولهما الأطعمة غير الصحية من "فاست فود" او شوكولا وشيبس، إلا أن حرصها لم يؤت نفعاً منذ ان عمدت مدرسة طفليها الى فتح دكان ما اضطرها الى قطع المصروف اليومي لتجنبهما ما لا ترغب لهما فيه.

حال إيمان كغيرها من الامهات اللواتي يعانين من ابتعاد أطفالهن عن المأكولات الصحية والمرسلة من البيت ولجوئهم الى شراء الوجبات من الدكان من شوكولا وشبيس ومشروبات غازية، معظمها من النوع الرديء جداً الذي لا نجده الا في تلك الحوانيت احياناًلا سيما في مدارس الأحياء الفقيرة. وما يزيد الطين بلّة أن بعض المدارس لا سيما الخاصة منها وتحديدا في المراحل التعليمية المتقدّمة، عمدت الى فتح نوع من المطاعم الصغيرة او السناك لتبيع كل ما هو "جونغ فود "وفاست فود، مع ما يعرض صحة لمخاطر الإصابة بالبدانة والأمراض المختلفة من سكّري وغيرها.

[دراسات عَ حيلا

موضوع تلك "المحال" يحتل أهمية كبيرة بالنسبة لصحة اطفالنا خصوصا مع الاثر الكبير الذي تتركه في صحتهم العقلية وسلوكهم الدراسي قبل الصحة الجسدية. وفي هذا الاطار كشفت دراسة أطلقها المركز الوطني للسكري والغدد الصماء أواخر العام الماضي، عن أن نسبة من يعانون من السمنة المفرطة بين أطفال المدارس من الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و18 سنة هي 25 في المائة من مجمل طلاب المدارس. ووفق دراسة حديثة أجرتها جامعة بريستول البريطانية، على أطفال تتراوح أعمارهم بين الثالثة والثامنة، ونشرت صحيفة الدايلي ميل في شباط الفائت نتائجها، فإن الأطفال الذين اعتمدت عائلاتهم نظاماً غذائياً متوازناً قائماً على الخضروات والوجبات المطهوة في المنزل، حقّقوا معامل ذكاء أكثر من أولئك الذين اعتادوا تناول أطعمة كالتي سبق ذكرها.

فما يحدث بحسب الدراسة هو أن تناول أطعمة فيها الكثير من السعرات الحرارية والدهون والسكر، يعيق نمو الدماغ الذي لا يحصل على العناصر الغذائية اللازمة كي يعمل على الوجه الأمثل. وتضيف إن الآلاف من الأطفال، الذين يعانون من نقص في الانتباه، يؤدي بهم ذلك إلى تدني أدائهم المدرسي، الذي يمكن أن يتحسّن بمجرد تغيير نظامهم الغذائي إلى آخر متوازن، من دون أن يضطروا إلى تعاطي عقاقير.

وفي السياق ذاته فإن هناك الكثير من الجدل حول أضرار المضافات الصناعية من مواد حافظة ومنكهات وألوان، وارتباطها باضطراب "فرط النشاط" لدى الأطفال، وفي العام 2009 حثّت وكالة المعايير الغذائية البريطانية، وهي المؤسسة المقابلة لإدارة الأغذية والعقاقير الأميركية، مصنّعي مواد غذائية على إزالة ستة أنواع من الألوان الصناعية المستخدمة في أغذية الأطفال، بعدما أثبتت دراسة علمية وجود علاقة بين هذه الإضافات وفرط النشاط لدى الأطفال.أما في لبنان فتشير الإحصاءات إلى أنّ 22,5% من الأطفال الذكور يعانون زيادة في الوزن 7,5% منهم بدينون مقابل 16,1% للفتيات و3,2 % بدينات. وإذا كانت تلك النسب المرتفعة تعود لفئات عمرية لا تزال تقصد المدارس التي يقع على عاتقها واجب الإرشاد الصحي بالتزامن مع الإرشاد الدراسي، فما هو الواقع في مدارس لبنان وأين وزارة التربية من المراقبة والتدخل في الموضوع، ومن هي الجهة المسؤولة عن مراقبة تلك المحال وما يباع فيها وكيف ينظر اختصاصيو التغذية الى الموضوع. أسئلة كثيرة نطرحها في هذا التحقيق.

[شروط نموذجية..برسم الانتظار

تقف ريما ابنة السابعة أمام حانوت مدرستها، وفي يدها الف ليرة، تجول بنظرها في الرفوف الحديد حيث توزعت عشرات الأصناف من الشوكولا والبسكويت المغرية بألوانها ورسومها، تنتظر قليلاً قبل أن يقع ناظرها على أحد الأصناف المفضلة لديها. رحلة ريم مع الشراء لم تنتهِ عند الشوكولا، تنتقل أبعد بقليل لتحجز مكاناً لها أمام براد المشروبات الغازية والعصائر، فلا تتوانى عن طلب المساعدة من الحانوتي المسؤول "عمّو سعيد، بليز عطيني هيدي القنيني" فينتشلها "على العمياني" اذ أنه حفظ عن ظهر قلب ما يطلبه "زبائنه" وأصنافهم المفضلة. تدفع بنقودها الى البائع وتخرج مبتسمة كمن ظفر بكنزه الثمين. ريم، عيّنة من طلاب، ينتظرون بفارغ الصبر رنين جرس الاستراحة، حتى يسارعون لاهثين للإصطفاف بالطابور أمام حانوت مدرستهم، لحجز غدائهم من مناقيش وبطاطا و"تحلاية " ومشروبات غازية.

مع بداية كل عام دراسي تقوم إدارات المدارس بتقديم استدراج عروض لتلزيم حوانيتها وفق شروط منصوص عليها من وزارة التربية. تلك الشروط التي أدرجت ضمن القرار الرقم 600 الصادر في العام 2004، والتي تضمنت في المادة العاشرة منها تحديد السلع والمواد التي يتم بيعها من المرطبات المقفلة والسندويشات الحلوة والمالحة الملفوفة بالورق وغيرها من الاصناف الصحية، بالاضافة الى شروط تتضمنها المادة الحادية عشرة المتعلقة بنظافة الحانوت والسلامة الصحية .

ويتحدّث مصدر متابع في وزارة التربية عن أن مشروعاً للشروط النموذجية لحوانيت المدارس جرى العمل على إعداده منذ عهد وزيرة التربية السابقة بهية الحريري، بالتعاون مع عدد من الجمعيات كمنظمة الصحة العالمية اليونيسف، للتوسّع في صلاحيات القرار وإضافة عدد من البنود والشروط اليه، كتأمين شروط السلامة من برادات لحفظ الأطعمة لا سيما الألبان والأجبان وتأمين الفلاتر لتنقية المياه والأهم تحديد الأصناف والمأكولات ومنع بعضها كالشيبس مثلا. ولكن ماذا عن التطبيق؟

على الرغم من أهمية المشروع والمبادرات لتطبيقه، إلا انه لا يزال دون التطبيق في ظل الوزارات المتعاقبة لما يتطلّب من امكانات مادية غير متوافرة في إدارات معظم المدارس الرسيمة المسؤولة عن تمويلها وتلزيمها للمزايدين. ومع ذلك يتحدث المصدر عن ان هناك عددا من المرشدين الصحيين التابعين للوزارة، يتولون مهام المراقبة اليومية لتلك الحوانيت وما يباع فيها.

اللافت والغريب في موضوع الورقة المشروع، انها تقتصر على المدارس الرسيمة الحكومية فقط، دون الخاصة منها. وهنا يعلق مدرس في احدى المدارس الخاصة " أن وجود تلك الدكاكين ضروري في المدارس، شرط تأمين الأصناف الصحية والمفيدة، انما الواقع يشير الى ان ما يباع فيها يضر بصحة أطفالنا، فما نحرم منه أطفالنا في المنزل نجده يباع في المدرسة "، محمّلا "المسؤولية لادارات المدارس التي يبغي بعضها الربح من تلك الحوانيت غير مكترث للأضرار الصحية التي تلحقه بالطلاب". والى حين صدور تلك الورقة او تعديل القرار هل يبقى الأطفال عرضة لاغراءات المأكولات الضارة وغير الصحية ؟

[.. بين المدرسة والمنزل

أظهرت الدراسات العلمية ان تراكم الدهون يؤدي إلى ضعف الإستجابة للأنسولين في أنسجة الكبد، وإلى زيادة الدهون الثلاثية في الجسم وقلّة الدهون العالية الكثافة ما يمهّد للإصابة بالكوليسترول وبالتالي أمراض القلب وضغط الدم في المستقبل بالإضافة الى عوارض اخرى منها الصعوبة في التنفّس وتقوّس الساقين التي يمكن أن يعانيها الطفل. هذا من الناحية الجسدية، أما من الناحية النفسية فيواجه الطفل سخرية المحيطين به سواء في المجتمع أو في المدرسة ما يترك عنده أثرًا نفسيًا سيئًا وهنا تتحدث اختصاصية التغذية كارلا حبيب مراد عن العلاقة الكامنة بين نوعية التغذية وقلّة الحركة وانعكاسها على معدلات البدانة عند الاطفال. ثلاث سنوات مضت على بدء تجربة خاضتها مراد مع الجامعة الاميركية أثناء تحضيرها لشهادة الدكتوراه أثمرت دراسة لا تزال تنتظر الانجاز ليتم نشرها. الدراسة شملت بداية 8 مدارس على نطاق بيروت ثم توسّعت لتشمل في مرحلة لاحقة معظم مناطق لبنان ومدارسه، وهنا تشير الى أن فوارق بسيطة تميز بين الخاصة منها والرسمية، كون محتويات محالها لا تختلف كثيراً ومعظمها غير صحي من شيبس ومشروبات غازية تؤثر سلباً في صحة الطفل وآدائه المدرسي.

اذا المشكلة قائمة ولا يمكن تفاديها بحيث لا يمكن للمدارس ان تقفل تلك المحال ومنع الاطفال من الشراء فما الحل يا ترى ؟ تتحدث مراد عن اكثر من طراف للحل الذي يكمن في التعاون بين المدرسة والمنزل. ففي المدرسة يعود الدور الأكبر الى الأساتذة بتوجيه الطالب الى التقليل من كمية ما يشتريه وليس حرمانه. اما بالنسبة الى الأمهات فبداية ينبغي التوجه الى إرشادهن ليحملن أطفالهن بالمأكولات من البيت، حتى فيما يتعلق بالأصناف المعدّة مضرّة، كون الأم بإمكانها شراء وانتقاء انواع معينة من الشوكولا والحلويات مثلاً. قد تكون المشكلة أكبر بكثير خصوصاً ان إقناع الطفل بعدم الشراء مهمة غير ممكنة او حتى مستحيلة اذا ما رأى رفاقه يلجأون اليه، من هنا ترى مراد أن الحل يكون بتقليل المصروف وتعويد الطفل على الصدق في التصريح عمّا اشتراه كي تتمكن الوالدة فيما بعد من عدم إعطائه الصنف مرة أخرى في المنزل، وبذلك تكون تمكنت من إحداث التوازن نوعاً ما.

[غير صحي..ومنتهي الصلاحية

تشير نتائج الدراسات التي أجراها الفريق البحثي في دائرة التغذية والعلوم الغذائيّة في الجامعة الأميركية، بالتعاون مع كليّة الصحة العامة فيها، إلى ارتفاع نسبة البدانة عند الأفراد في الشرق الاوسط لتصل إلى عشرين في المئة، وفي لبنان، تلحظ النسب ارتفاعا في معدّلات السمنة عند الفئة العمريّة بين الستة والثمانية عشر عاماً من نسبة سبعة في المئة في العام 1997 إلى نسبة أربعة عشر في المئة في العام 2009. ويشكّل الذكور والأصغر سنّا والذين يملكون تاريخا عائليّا في مشكلة السمنة الشريحة الأكبر من الأطفال والمراهقين السمينين.هذا واذا كانت "منظمة الصحة العالميّة" تعتبر أنّ نسبة السكريّات يجب ألا تتجاوز العشرة في المئة من إجمالي السعرات الحرارية التي يتناولها الفرد خلال النهار، فماذا عن الأصناف التي تباع في دكاكين المدارس التي تعتمد بشكل رئيسي على الشوكولا وسائر الحلويات المصنعة؟

أثار موضوع الدكاكين وما تبيعه في المدارس، اهتمام بعض الجمعيات الاهلية الخاصة. منذ نحو السنتين بادرت جمعية حماية المستهلك الى الاهتمام وتقديم مشروع الى وزارة التربية، كي تتمكن من مراقبة تلك الدكاكين وتحديد نوعية الأصناف الموجودة فيها واستبدالها بأخرى صحية ومغذية. "كل شي بهالبلد ما بيمشي ودائما بتتوقف المبادرات وبعدين كلّو بدّو تمويل ونحنا عنا شغلات أهم نحكي فيا " هكذا وبنبرة ملؤها اليأس من محاولات تكلّلت كلّها بالفشل، يبدأ رئيس جمعية حماية المستهلك زهير برو حديثه عن مشكلة مقاصف المدارس، التي جرى التطرّق إليها منذ نحو السنتين مع الوزارات المتعاقبة للتربية. نحو عشرة آلاف طالب توزعوا على مدارس خاصة ورسمية، طالت مختلف شرائح المجتمع من فقيرة ومتوسطة وغنية في نطاق بيروت الكبرى، الدراسة تقول إن معظم ما يأكله الأولاد يرتكز على ما يسمى "الجونغ فود" والمشروبات الغازية والشيبس وغيرها ما انعكس على مستوى البدانة لديهم لتتجاوزالـ الـ50 %. "طيب ليه ما منفرض اللبنة والجبنة بدلاً من الهمبرغر والعصير بدلاً من المشروبات الغازية " يتابع برو الذي يحمل الدولة بقطاعاتها من الرسمي الى الخاص الذي لم يلق تجاوبا منه في هذا الموضوع الذي يطال صحة اطفال لبنان ككل هذا فضلا عن مشكلة اكبر تتعلق بما يباع من نوعية فاسدة اصلا ورديئة سيما في مدارس الاحياء الفقيرة دون التنبه الى تاريخ صلاحيتها التي قد تكون منتهية أصلا في كثير من الاحيان، لكن من يسأل ؟؟

المدارس ودكاكينها \
المدارس ودكاكينها \"بازارات\" تُضيّع العقول.. والبطون


المدارس ودكاكينها \
المدارس ودكاكينها \"بازارات\" تُضيّع العقول.. والبطون


تعليقات: