أم جهـاد، «عجـوز» حرسـت المقـاوميـن

من بيوت بنت جبيل القديمة(علي علوش)
من بيوت بنت جبيل القديمة(علي علوش)


تروي أم جهاد (لقب مستعار) أن سيّد أبو طعام اتصل عبر الجهاز اللاسلكي قبل استشهاده بساعات بالشباب الذين كانوا يرابطون عند كرم الزيتون قرب مدرسة الاشراق التابعة للمبرات الخيرية عند مدخل عيناتا، وطلب منهم إبلاغها أن عليها الخروج مع أحد ولديها من المدينة، خوفا من استشهادهما معا في المعركة. لكنها طلبت من الشباب أن يسألوه مع أي ولد تخرج ومن سيبقى؟ ثم قالت لهم: «قولوا لسيد أبو طعام، سأبقى مع ولدي». في ذلك اليوم انقطع الارسال معه ولم يعد يرد على اتصالات الشباب، وكان قد مر على الحرب ستة عشر يوما.

في صباح السابع من آب خرجت أم جهاد إلى حقلها المجاور لكرم الزيتون عند صف الهوا من أجل قطف البندورة والنعناع وإعداد طعام الغداء لمجموعة من المقاومين كانوا في منزلها، لكنها فوجئت بوجود كلب «أشقر اللون كبير الحجم والرأس». خافت منه وخاف منها، فدخلت سريعا إلى المنزل وأخبرتهم عما ما شاهدته. سألوها إذا رآها الكلب فأجابت بنعم، موضحة أنه هرب عندما رآها إلى داخل كرم الزيتون، وكان هناك شيء ما معلق برقبته (جهاز تجسس كما أوضح أحد المقاومين)، فاعتبروا أن أمرا ما يدبر من خلال إرساله.

عند الثالثة والنصف من فجر اليوم التالي كان الجنود الاسرائيليون في قلب كرم الزيتون. عدت أم جهاد خمس شجرات من أوّل الكرم وشاهدت خلف الشجرة السادسة جنديا إسرائيليا، ثم أخذت تقول للمقاومين: «ورا كل شجرة جندي. أنا شايفتهم».

عندما بدأت المعركة شاهدت من «طاقة» المنزل كيف ينتقل الجنود من زيتونة إلى زيتونة. بينما كان الرصاص ينزل بين الزيتون «مثل الشتي» وسمعت صراخ الجنود الاسرائيليين وهم ينادون «إيغوز إيغوز».

لم تشاهد جرحى من الشباب، لكنها رأت كمية دماء كبيرة على أرض منزل ابنها في الطابق الثاني. سألت من الذي أصيب فأشاح لها أحد الشباب بيده أن ابتعدي. عادت إلى منزلها في الطابق الأول، ولم تسأل مرة ثانية لأنها عرفت أنهم لا يريدون إخبارها.

بعد انتهاء المعركة عند العاشرة والنصف صباحا وانسحاب الاسرائيليين أعدت الفطور للمقاومين، لكن أحد المقاومين كان لا يزال تحت الزيتونة، فأخذ ينادي بأنه يريد سيجارة، خرجت إلى الشرفة ورمت له علبة سجائر قائلة: «هلق وقت تدخين، ما فيك تطرد الاسرائليين من دون ما تدخن».

ثم صرخ شاب آخر لها قائلا: «يا أم جهاد، أصبت». سألته عن موضع الاصابة فأجابها: في إصبع يدي، ردت عليه قائلة: «سد تمك.. في الاصبع لا تعتبر إصابة». تقول إن ذلك المقاوم لا يزال يذكرها مازحا كلما التقاها: «بهدلتيني» فترد عليه ضاحكة: «لم يكن عقلي معي حينها».

لم تكد تنهي إعداد طعام الفطور حتى أغار الطيران على الطابق الثاني من المنزل، فقالت للمقاومين: «خلص رح يتهدم البيت علينا» وكانوا يحاولون تهدئتها. طلبوا من أحدهم أن يستطلع إذا كان الاسرائيليون لا يزالون في كرم الزيتون. لكنه عندما حاول الخروج سحبته من ملابسه إلى الداخل، وبعد لحظات أغار الطيران على مبنى يقع أمام منزلها مباشرة: «سجدت البناية بالأرض»، تقول أم جهاد، وتعني أنها تحولت إلى كومة حجارة، التفتت إلى الشاب وقالت له: «لو خرجت ما كنت رجعت»، ثم غادرت المنزل أمامهم وخرجوا من بعدها، انتقلت إلى منزل الجيران أولا، ثم غادرت إلى تبنين. وقد دمر الطيران طابقين من منزلها وتصدع الطابق الأرضي.

تقول: لقد عرفنا بعد انتهاء الحرب أن الجنود الاسرائيليين كانوا يقيمون في مبنى يقع مباشرة خلف الكرم، وقد أرســـلوا الكلب لمعرفة إذا كان هناك أحد في المنزل، كما عرفنا لدى دخول المبنى أنه كان معهم مجندات لأننا وجدنا فوطاً صحية مستعملة، خاصة بالحيض.

كانوا سبعة عشر مقاوما الذين روعوا الاسرائيليين وخرجوا من المنزل سالمين.

شاركت معهم في نوبات حراسة قبل حصول معركة الكرم. تقول إنهم كانوا يأتون متعبين من المعارك عند تلة مسعود، ويريدون الراحة قليلا. «أضع الكرسي خلف باب المنزل وأحرس عنهم ما بين ثلاث إلى أربع ساعات». بعد إحدى نوبات الحراسة أيقظتهم وقالت لهم مازحة «قوموا يا جبناء. تنامون وتتركون عجوزا تحرس عنكم».

أعدت لهم الطعام بشكل يومي، تقطف الخضار الصيفية من حقلها وتطبخها، كوسى وبندورة وبطاطا وبصل، مع أرز مفلفل. أما الفطور فكان يتراوح بين الفول المعلب والأجبان المعلبة والزعتر والزيتون. وتقسم رغيف الخبز إلى أربع شرحات وتوزعه على أربعة أشخاص.

بقيت المياه متوفرة من البئر، لكنه كان يقع عند زاوية الغرفة المطلة على الشرفة، تسرق أم جهاد النظر إلى الخارج ثم تغرف المياه. كانت تعد لهم المياه الساخنة في إحدى حلل الطبخ من أجل الاستحمام.

وضعت في كل غرفة نسخة من القرآن الكريم وفتحتها على سورة ياسين. ما زالت تحتفظ بالنسخ على الرغم من تمزقها، سوف تتركها لأحفادها من أجل أن تخبرهم ماذا حصل معها.

تتحدث عن الشهيد جهاد حمود من بيت ليف الذي أقام معهم لأيام عدة، قبل انتقاله إلى تلة مسعود. تدل بيدها إلى المكان الذي كان ينام فيه عند مدخل المنزل، وتقول إنه كان يطوي الحرام وينام عليه و«قد أبقيته مطويا كما وضعه آخر مرة لمدة ثلاثة أشهر، ثم طلبه زوجي لكي يتغطى به عندما برد الطقس. كان الوحيد بين الشباب الذي يفرش فراشه ثم يرتبه بعد أن يستيقظ. دخل جهاد إلى منزل محمد جمعة عند تلة مسعود ووجد ثمانية جنود، أطلق النار عليهم وانتقل إلى منزل ثانٍ فوجد أربعة جنود، أطلق النار عليهم، ثم أخذ يخبر رفاقه عبر الجهاز عما يحصل معه، وقال لهم لم يعد هناك مجال أمامه لمتابعة المعركة، سوف يستشهد، قال تلك الكلمة واستشهد.

تعليقات: