الباب الأخير ..

بات الوطن مُرتهناً لأصحاب النفوذ ولم يعد لأبناء الفقراء مكاناً فيه
بات الوطن مُرتهناً لأصحاب النفوذ ولم يعد لأبناء الفقراء مكاناً فيه


لم ينم الحيُّ ليلة البارحة .. الجميع كان حاضراً في بيت أبي ربيع وشريكاً في الفرحة, فربيع تخرّج بتفوّق ونال درجة الامتياز, و القرية تريد أن تحتفي بابنها الذي رفع رأسها عاليا, ويحقّ لأمّ ربيع أن تمشي "كبلقيس" بين النساء توّزع ابتساماتها شاكرة ممتنّة, فتجيبها النسوة بإطلاق الزغاريد وتمنيّات السعادة, وفي سرّ كلِّ واحدة منهنَّ صورة ولدها بثياب التخرّج وغمرة العرس البهيج .

يترنّح أبو ربيع في مقعده مُلقياً على جلسائه خُطباً مسترسلة, يحدّثهم عن ولده ومثابرته, وعن سهر الليالي الطويل في طلب العلى, فتهتزّ رؤوس القوم تأييداً وإعجابا .

كان ربيع يبادل الناس الطيبين الحبّ بالحب, وكلمات الصدق بمثيلاتها, ومن الصخب القرويّ الجميل يسرقه وخز تأملات قلقة, لكن سرعان ما يعود إلى مستراح روحه ومشرق الأمل في عينيه ..

ما أٌحيلا الهناءة في نفوس الوادعين تلك الليلة, وما أروع الأحلام لو تحتضنها الشمس في الغد الآتي ..

اقترب الموعد الذي طال ارتقابه, ومشى ربيع برفقة والده حاملاً شهادته المرصّعة بماء التّعب النظيف, وفي قلبه احتضان الوطن الذي جُبِلَ على حُبّه وتشرّب سقاء الوفاء إليه .. و قد جاء اليوم ليترجم الحبيب صدق محبته للمحبوب للكبير !..

أمام الدوائر المتباهية بعلوّها, والمكاتب المزينة بأثاثها, والأطقم المجمّلة أصحابها, بدأ الحلم يتلاشى لتظهر حقيقة مخيفة لم تدرج في مناهج الدراسة ولم تكن في الحسبان, وإذ بالفراغ يخيم كشبحٍ مخيفٍ في وطأة الموقف, وتتناثر أوراق التين لتبدو سوءة زمنٍ أقلُّ ما يقال فيه إنّه غرائبيٌّ رديء!..

.. لقد كان انكسار القلب مريعاً حين أوصد الوطن أبوابه في وجه ربيع, والوجوه المكفهرّة تنظر في الشهادة نظر المستخفِّ المتعالي, والأصابع الغليظة تقطع الآمال, والإجابة الوحيدة: لا حاجة لدينا ..

تعبت الأرجل وتثاقلت الخطى, ولم يقوَ ربيع على النظر في عينيّ والده المسكين, ذلك الفلاح الذي خطّت الشمس على جبينه سطور الكدِّ وحكايات العناء, ولطالما تجرّع الألم أملاً بابتسام القدر ولقاء الراحة, فشهادة ربيع تهوّن عليه الصعاب وتبلسم مرَّ الجراح ..

الأبواب الموصدة والخيبة حجبت الرؤية وأطفأت النور الذي استولده العزم من الفقر .. وأدرك الشابّ الحالم أنّ الوطن لم يعد مُلكاً لجميع أبنائه, وأنَّ الشهادة التي لطالما كابد وعانى للوصول إليها لم تعد إلا لوحة تُزين بها الجدران أو لقبا خاوياً من البنيان ..

كان الخيار صعباً..لكنّ الحقيقة أشد إيلاماً, فقد بات الوطن مُرتهناً لأصحاب النفوذ ولم يعد لأبناء الفقراء مكاناً فيه.. وحده الباب الأخير مُشرعٌ أمام ربيع وأقرانه الذين لم يجدوا الوطن موئلاً لآمالهم, فمضوا يبحثون في بلاد الله الواسعة عن بقعة لا يحكم فيها شرع الامتياز أو أولوية القرابة , عن مساحة يُوزن فيها الإنسان بعلمه لا بنسبه, بقيمِهِ لا بأمواله, بعطائه لا باستهلاكه, بحاضره لا بماضي أجداده ..

من الباب الأخير مضوا وعسى أن يعودوا يوماً إلى وطنٍ يليق بهم !..

الشيخ محمد أسعد قانصو

تعليقات: