العراق والموت المتبادل!
لم تعد نشرات الأخبار العربية تحفل بوقائع عمليات المقاومة العراقية، مع أن هذه العمليات في تصاعد باعتراف الأميركيين أنفسهم وحتى البريطانيين بشكل غير مباشر.
وإذ أقول غير مباشر فذاك بناء على اعتراف الجيش البريطاني بآلاف الضحايا التي خسرتها قواته في العراق مما يعني أنه لم تمت بالطبع بوباء الكوليرا. لكن ما من نشرة إلا وتذكر لنا خبرا بات مألوفا وهو العثور على عشرات الجثث المقتولة بعد اختطافها والمرمية في مكان ما وعليها آثار التعذيب والتشويه.
مما لا بد وأن يذكر واحدة مثلي عاشت الحرب اللبنانية بظاهرة الأكياس التي شاعت في بداية الحرب الأهلية حيث كان يتم العثور على قطع إنسان مخطوف في كيس مرمي بالقرب من باب منزله أحيانا وفي أمكنة أخرى أحيانا أخرى. وإذا لم يكن هذا إلا ظاهرة من ظواهر اللبننة العراقية التي حذر منها (جان بيير شفينمان) عام 1992 في كتابه الذي برر فيه اعتراضه على الحرب ضد العراق حدا دفعه إلى الاستقالة من منصبه كوزير دفاع، لأنه كان يعرف ما الذي يهيأ لما بعدها.
وإذا كان العنوان الكبير للبننة في السبعينات كان يتلخص في حلم التقسيم، فأن الطريق الذي سلك لتحقيق ذلك كان الفرز الطائفي القائم على القتل والفظائع الخالقة للحقد، ومن ثم التهجير الجماعي.
لذلك عندما بدأ الحديث عن الفدرالية أو "الكونفدرالية "العراقية كتب مساعد سابق لشؤون الأمن القومي الأميركي في "نيويورك تايمز" أن ذلك لا يمكن أن يتحقق مباشرة بسبب التداخل القوي في المجتمع العراقي بين الطوائف والمذاهب، وغياب الحالة الطائفية الحادة كما في لبنان، حيث أن العداء القائم في العراق كان بين النظام ومعارضيه أيا تكن هوية المؤيد أو المعارض. ولذا كان لا بد من زراعة الرعب والحقد بين الفرقاء عن طريق عمليات القتل على الهوية والتبشيع والتشويه واعتماد إلقاء ذلك أمام عيون الناس. تجربة لم تكن بجديدة على الولايات المتحدة في حروبها الاستعمارية والاستخبارية. فمنذ فيتنام كان هناك ما يعرف باللوائح الشهرية التي تعد للقتل والاغتيالات وبلغ تعداد كل منها 1800 شخصا، وذلك ما ثبت تاريخيا بحيث قدم الرئيس كلينتون اعتذارا عنه عام 1999. من ثم انتقل هذا التكتيك إلى دول أميركا للاتينية التي دخلت في صراعات مع الولايات المتحدة بدءا بالسلفادور ومن ثم غواتيمالا وتشيلي ونيكاراغوا وكولومبيا. حيث بلغت قمتها في غواتيمالا بمئتي ألف قتيل وأربعين ألف مفقود.
واللافت للنظر أن المسؤول الذي كلف بتنظيم هذه الفرق في هندوراس ونيكاراغوا كان "نيغروبونتي" الذي أطلق على تشكيلاته اسم "فرق الذئب"، وجعل تنظيمها على نمط فرق السلفادور عام 1980، لذلك كان اختيار الرجل وإرساله إلى العراق ليشكل فرقا مماثلة من "الشيعة" ومن "السنة" بحيث تقوم كل منها بالمهمة في صفوف الطائفة الأخرى. وهذا ما اعترفت به "نيوزويك" في البداية تحت تبرير "أن من يدعم المقاومة لا يدفع ثمن دعمه وهذه معادلة يجب تغييرها" (بحسب تعبير الصحيفة). ثم عادت ففصلت الأمر بوضوح أكبر ومباشرة في "نيويورك تايم ماغازين"، بعد انتهاء مهمة "نيغروبونتي" ومغادرته البلاد، وعندما حاول صحفي عراقي شاب الاستناد إلى هذا المقال ومتابعة الوقائع على الأرض في العراق كان مصيره القتل!.
غير أن التمعن في المآل التاريخي السياسي التي أدت إليه سياسة الموت هذه تجعلنا نستعرض أسماء الدول التي تناولها من فيتنام إلى جميع دول أميركا اللاتينية التي ذكرنا لنرى أنها خرجت من حروبها المرة وتعيش اليوم في ظل أنظمة منتخبة ديمقراطيا معادية للولايات المتحدة الأميركية، جعلت هوغو شافيز قادرا على التحدي ومكنت كاسترو من الدعوة مجددا إلى مؤتمر لدول عدم الانحياز في هافانا.
أما في لبنان فبرغم كل الجوقة الأميركية – "الاسرائيلية" انتهى الأمر بتحرير الجنوب وبفشل "اسرائيل" الذريع مؤخرا حتى ولو كانت عمليات الالتفاف على المقاومة ما تزال جارية
|