إن كل قطره دم عراقية أغلى من أبار نفط العراق وإن اجتمعت بكاملها
إن بقاء وتزايد التوترات العرقية بين العراقيين عربا أو كرد، هو ما لا يتمناه كل الوطنيين والشرفاء أي كان موقعهم ومكانهم على هذه الأرض العراقية التي أهدت اسمها لهذا الشعب وجعلته لحد هذه اللحظات موجودا على خارطة الشعوب ودول العالم، هذا الشعب وبرايته الحمراء والبيضاء والسوداء والخضراء كتب عليه الزمان من أن يعيش هذه الحقبة الصعبة من تاريخه المعاصر ليصبح من شماله إلى جنوبه المسرح السياسي للأجندة الاستعمارية الطامعة في خيراته وأرضه. هذا العلم أو هذه الراية أن صحت التسمية والتعبير هي تاريخ وبطولات وحضارة الأمة وإنسانها وهي العامل الجامع لكل العراقيين ونقطه الالتحام المهمة في هذا الوقت الذي أراد به الاحتلال من نكون مقسمين بين طوائف وأعراق.
لقد أرادت الإدارة الأمريكية باحتلالها للعراق القضاء على صفات الترابط التاريخية للوطن العراقي كخطوة أساسية للتحكم والسيطرة ومن ثم العمل على تقسيمه وترتيب الأمور على شكل إقليمي يؤمن لها التمركز وفرض سيادتها الاحتلالية لتحل مكان السيادة الوطنية المسلوبة. وقد أبدل الاحتلال وبقوة وجوده، الانتماء والولاء للوطن بمبدأ المحاصصة الطائفي والعرقي وتم وضع الحكومة العراقية (المنتخبة) بديموقراطية القوة العسكرية وفي ظل الدبابة والسلاح الأمريكي وتم الإعلان زورا ولادة بوادر الوحدة الوطنية بميلاد البرلمان العراقي وبمعنى أخر إيجاد طريقة مصطنعة أساسها المحاصصة لتكوين سمات وحدة وطنية أقرب منها للخيال عنها من الحقيقة، هذه المصالح الطائفية تُترجم اليوم بتصريحات البارازاني الانفصالية الرافضة للولاء للوطن ورايته المتمثلة بعلم العراق، ناهيك عن تصريحات الاأمس من جانب عائله "الحكيم" الداعية إلى فصل الجنوب العراقي تحت غطاء الفيدرالية ونصوص دستور الإدارة الأمريكية في "العراق الجديد". أن ما أرادته الإدارة الأمريكية من احتلالها للعراق هو بلورة مصالحها الستراتيجية في المنطقة وأنها لم تأت من أجل زيد أو عُبيد وإنما جاءت لتنصيب نوع من الإقطاعية الدينية العمياء والمتمثلة بعائله "الحكيم" وأخرى إقطاعية عرقيه بارازانية - طالبانية لها حق الحياة أو الموت على المواطن العراقي في كردستان العراق.
من هذه الرؤية الطائفية والعرقية الأمريكية المدروسة يجد القارىء نفسه أمام الكثير من الحقائق والدلالات المنطقية التي تثبت النية لتقسيم الوطن إلى دويلات إقطاعية كدولة :إمارة الحكيم الفراتية" وإقطاعية البارزاني الكردستانية وأن ما تقوله الإدارة الأمريكية عن حرصها لوحدة العراق ومستقبله هو كذبة من أكاذيب الاستعمار أكل الدهر عليها وشرب. إن الوضع الطائفي الحالي للوطن بما يتضمنه من تجزئة إثنية وانعدام الوحدة الوطنية بين أطراف الدولة المصطنعة هو بداية السقوط إلى هاوية الصراعات بين أركان النظام الحالي ولسبب بسيط وهو أن هذه الوحدة المصطنعة سوف تتلاشى بدون شك حالما تتضارب المصالح العرقية والطائفية للكرد والعرب "الشيعة والسنة" في نهاية المطاف. وما علينا إلا الرجوع إلى تصريحات البارازاني برفضه علم الدولة في أرض العراق وبكاء "الحكيم" بمظلومية تياره الذي أراد منه المحتل من أن يكون حقيقة ملموسة عن طريق عمليات القتل والتفجير المبيتة وبوجود المرتزقة ومخابرات دوله الجوار والذي ذهب فيه العديد من أهلنا المظلوم في الوسط والجنوب. لقد بدأت المعطيات الملموسة من الظهور وبدأ الفكر الانفصالي من التبلور في وضح النهار ولسبب بسيط وهو المعرفة اليقينة لإدارة بوش بحقيقة الاختلاف الجوهري للنزعة الطائفية والعرقية للطرفين الرئيسيين في "النظام العراقي الجديد" واختلافهما الستراتيجي وحتمية ابتعادهما لحساب المصالح العرقية والطائفية وبالتالي سيكون هذا العامل الرئيسي للتجزئة.
إن غياب الوطنية والمواطنة والولاء للوطن في برامج الأحزاب العرقية الكردية والائتلاف الطائفي والأهداف المعلنة لهم في الوقت الحاضر هو عامل خطير لمستقبل البلاد.
إن إبراز الصفات التاريخية الطائفية والعرقية لكل طرف هو البداية للتمييز بين العراقي والعراقي ليكون في النهاية عذرا في التفتيت والانفصال.
الاختلاف في العرق والطائفة أسس هدم وتفتيت
لا أحد يستطيع أن يقول للمواطن الكردي بأنه عربي أو العكس، وليس هناك من ينفي بأن العراقي العربي قد تمت تسميته بـ"الشيعي والسني" وله من الخصوصيات في الإيمان. المهم أنه من هذه الأمة الممثلة بعلمها وموقعها الجغرافي في العالم. لا مجال للشك بأن الحالة التي يعيشها العراق هي حاله أرادها وثبتها الاحتلال بوجود قوتين كبيرتين على الساحة السياسية والمتمثلة بتيار البارازاني - الطالباني والتيار الطائفي للائتلاف. إن وجود أطروحتين مختلفتين تبعد كل البعد كل منها عن الأخرى فد تساهم في تقطيع الوطن: الأولى عرقية تقول بأن الأكراد هم أناس تختلف أصولهم عن العرب حيث أنهم من أصول الهندو-أوروبية سكنت العراق سابقا وأنهم يختلفون عن العرب بطبيعتهم العرقية ومزاجهم الحديث بالرغم من العادات القبلية الباقية. وأن وجودهم في الحكومة وبقاءهم داخل النسيج الوطني في الوقت الحاضر هو مشروط بقبول "الائتلاف" بحقهم للمضي في تثبيت الأسس وبناء الفيدرالية والتي هي طريق البداية للاستقلال السياسي والاقتصادي. والأطروحة الثانية والمتمثلة في طائفية "الائتلاف" فهي لا تشابه الأولى حيث أن ظاهرة "التشيع" في العراق ترتكز على التذكير والإحساس بالشهادة والألم وأنها في اتصال مستمر مع الماضي مشاطرة المشاعر الموجودة في ايران، بوجود هذه الخصائص وأهمية حجم القوة السياسية للقوة الطائفية الائتلافية وأغلبيتها في برلمان عراق ما بعد الاحتلال، أصبح من الصعوبة من التفكير بوحدة وطنية بل نستطيع القول بأن الخصم العنيد للأكراد هم من يشاطرهم الحكم من "الائتلاف" وأن هذه الأغلبية الطائفية سوف لا تتفق في النهاية من أجل عراق واحد وستختفي النية الأمريكية التي جمعتهم سوية في مؤتمرات لندن والسليمانية لتظهر بغيابها نياتهم الإثنية على قدر ومستطاع.
الحلم الأمريكي: كردستان سادس احتياطي للنفط في العالم
لقد عملت الإدارة الأمريكية ومنذ اليوم الأول للاحتلال من تقسيم العراق بفرضها نظاما سياسيا طائفيا وأولت المسؤولية الشكلية في المناطق المهمة الغنية بالثروات إلى نخبة إقطاعية عُرفت بميولها الانفصالية والتبعية ووعدتهم بدول وأعلام جديدة ينام سكانها على بحيرات من النفط. لم يعد خافيا على أحد بأن نجاح قيام دولة في الجنوب يعتمد على قدرة "الحكيم" وفريقه من تأمين وتنفيذ التجزئة المطلوبة. ولم يبقى خافيا أيضا على أحد بأن قيام "دولة كردية مستقلة" هو أحد الأجزاء من المخطط الامبريالي ويعتمد على استطاعة البارازاني والطالباني من السيطرة على كركوك وحقولها النفطية والغازية.
إن إنزال العلم العراقي من المباني في الشمال لم يكن عملا اعتباطيا أو رسالة من وحي نزل قبل ساعات على مسعود البرازاني يطلب منه ذلك، إن الحلم الأمريكي والوحي كان قد نزل فعلا ومنذ اليوم الأول للاحتلال وهدم الدولة العراقية. إنه الوحي جورج بوش حين جاء برسالته "الشرق أوسطية". لقد كانت بداية الحلم الأمريكي في هذا المجال، هو في تقريب أعداء الأمس. وهكذا أصبح السيدان البارازاني والطالباني برغم العداوة القديمة حلفاء الظرف الأمريكي وأنيط إليهم مهمة ضم مدينة كركوك والبدء بالتنقيب على النفط في المناطق الأخرى من شمال الوطن، بالإضافة إلى (تنظيفها) عنصريا من الأقوام العراقية الأخرى كالعرب والتركمان وهذا قد يغيظ "الائتلاف" العراقي وتركيا وسيكون لهذا الحدث المهم يوما حديث.
لا أحد ينكر الوجود الكردي في هذه المدينة ولكن من اللامعقول عدم إعطاء الأهمية لتركمان العراق وتهميش نسبتهم التي هي الأغلبية. لا أحد ينكر بعد رفض الملا البرزاني الأب من الاعتراف بعراقية كركوك ورد فعل "الحكومة العراقية" بتهجير الكثير من الكرد والتركمان وجلب المزارعين من الجنوب. لا أحد ينكر أهمية إعطاء الخصوصية لحكم ذاتي للشعب الكردي ولكن ليس على حساب العراق وحقوق العراقيين من عرب وتركمان وما يملكونه باسم الوطن من ثروات نفطية في كركوك، إن العراق علما ودولة أغلى بكثير من النفط.
لقد سجل التاريخ عبارة لجورج كليمونصو قالها بعد معاهدة "سايكس – بيكو" السيئة الصيت والتي تقاسم بها الحلفاء ثروات المنطقة ندعو من خلالها السيد مسعود البارازاني التأمل والتفكير بما تعنيه، لقد قال: "أن قطرة من البترول تساوي قطرة من الدم".
إن كلام جورج كليمنصو هو نفس كلام جورج بوش وأن تغير الزمن.
إن ما يريده الاحتلال هو النفط ولا يهمه الدم العراقي إن سال.
إن أنزال علم الوطن من سماء كردستان العراق وحده لا يحقق الحلم الأمريكي في سرقه ثروات الشعب.
إن كركوك هي بحد ذاتها راية العراق العالية بكردها وعربها وتركمانيها وأن قطرة دماء أهلها أغلى من أبار العراق وان اجتمعت بكاملها.
|